ما بعد "شرم الشيخ"... "اليوم التالي" يؤرق الجميع!

كتاب النهار 15-10-2025 | 04:21
ما بعد "شرم الشيخ"... "اليوم التالي" يؤرق الجميع!
ساعدت الديناميكيات الإقليمية على إنجاز الاتفاق، أما الهدوء الدائم، فيعتمد على تبنّي السلام العادل، وفتح أفق جديد للجميع، العرب والإسرائيليين. إن الأيام وحدها هي الكفيلة بالحكم على مخرجات "قمة شرم الشيخ للسلام"...
ما بعد "شرم الشيخ"... "اليوم التالي" يؤرق الجميع!
أشاد الرئيس الأميركي بالدور المصري في وقف حرب غزة (أ ف ب)
Smaller Bigger

"الحرب في غزة انتهت"... عبارة انتظرها الفلسطينيون والعرب على مدى عامين. قالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في قمة شرم الشيخ، ثم غادر سريعاً معلناً انفضاض المؤتمر الاحتفالي، وترك أسئلة حائرة تبحث عن إجابات عسيرة!

يرى هنري كيسنجر ، الذي علّم العالم أن السياسة هي فنّ الممكن لا الأحلام، أن الواقعية هي الطريق الأقصر إلى البقاء في ميدان القوة. وفي إقليم يفيض ببحور الدم، يفتح اتفاق شرم الشيخ كوة في جدار اليأس والألم، وينسج خيوط أمل، مع توقف الرصاص، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين مع انسحاب إسرائيلي متدرج، وتدفق المساعدات، ويعود أطفال غزة إلى الأحلام من دون صوت انفجارات، لأول مرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

يُذكرنا ذلك بكلمات محمود درويش: "سنمضي إلى بيوتنا خلف الظلام"؛ فالسلام ليس نهاية، بل بداية لمواجهة الجراح. كان العدوان الإسرائيلي على غزة عاصفة من حديد ونار، استشهد 67160 فلسطينياً، وباتت غزة النابضة بالحياة أطلالاً تئن بجرائم الإبادة الجماعية، بغية تحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وهو سيناريو كابوسي كان كفيلاً بتصفية القضية، عبر عملية تهجير قسري وتطهير عرقي ضد أهالي غزة، بحثاً عن وطن بديل في سيناء أو في غيرها من بلدان "المنافي الجبرية"؛ وتلك محنة ما بعدها محنة.

بالتوازي، لم تكن محنة مصر مع حرب غزة أقلّ ألماً. تكدّست عليها ضغوط اقتصادية وأمنية هائلة، زجّ بمصر في أتون حرب من دون إنذار، فنكأت جراحها بقسوة، ووضعتها أمام خيارين: عار القبول بتهجير الفلسطينيين من القطاع نحو "وطن بديل" في سيناء وتصفية القضية، أو محاربة أميركا ومعها إسرائيل. لكن مصر رفضت التهجير بإصرار، فلا نكبة جديدة. اعتبرته "خطاً أحمر"، مثلما رفضت أيّ انتهاك لسيادتها وأمنها. لم تُستدرج إلى تسوية تهدر دماء الفلسطينيين، إنما فاوضت وأبقت يدها على الزناد، ما عزز مكانة القاهرة كقوة محوريّة لا يمكن تجاوزها. تحمي أمنها القومي في الوقت نفسه تبني جسوراً للسلام.

جرجرة إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو إلى مائدة التفاوض يحتاج دهاء ومهارة، تتطلب أكثر من صفقة؛ تتطلب رؤية قادرة على تحويل كلّ ضغط إلى فرصة، في عالم يُعامل فيه الضعفاء كأرقام في معادلات النظام العالمي. لم يكن المشهد في "شرم الشيخ" موقفاً تكتيكياً، إنما مشهد متكامل من الذكاء السياسي المركّب.

يقول الفيلسوف غرامشي إن "السياسة هي حرب المواقع". بمعنى أن السياسة ليست تنازلاً عن المبدأ، إنما فن ترتيب المواقف بما يخدم الهدف الأعلى، وهذا ما فعلته القاهرة وقطر بدعم عربي واسع، خصوصاً من الرياض وأبوظبي، وكذلك من تركيا، وبمشاركة الولايات المتحدة؛ والنتيجة أن إسرائيل لم تنتصر، والفلسطينيين لم يُهزموا، وغزة لم تصبح "مخيّماً أبدياً" في سيناء.

أشاد الرئيس الأميركي بالدور المصري في وقف حرب غزة، ووصفه بالمهم للغاية والمؤثر في استقرار المنطقة، بينما حرص الرئيس المصري على تأكيد أن القوة العسكرية وحدها لا تحلّ الصراعات، وأن من حق الفلسطينيين أن يقرّروا مصيرهم، وأن حلّ الدولتين هو سبيل الاستقرار في الشرق الأوسط، ما يعني أن السلام ليس مجرّد غياب الحرب، بل بناء للثقة في أرض مليئة بالألغام. "السلام الحقيقي يتطلب نهاية الاحتلال".

دفعت مصر وشعبها ثمناً فادحاً عن طيب خاطر في نصرة قضية اليوم الفلسطينيين. أبقت على القضية حيّة. أنقذت التوازن وأوقفت الانتقام، مع أن مواقف "حماس" مع القاهرة كانت غير محمودة أحياناً. لكن السؤال الذي يؤرق الجميع: ماذا عن "اليوم التالي" في غزة؟

من الجائز أن اتفاق شرم الشيخ قد يصبح نهاية لمحنة، أو مجرد فاصل في مسرحية دامية. تحمل قصص الشرق الأوسط في طياتها أشباح الماضي وأوهام المستقبل. أتى دونالد ترامب إلى المنطقة كبطل من رواية قديمة، يعيد صياغة صورته كـ"صانع سلام". يبني جدراناً ويهدم أوهاماً، بمزيج من الجرأة والحذر. يذكّرنا بأن السلام في الإقليم ليس هدية، بل صفقة تُبرم بالحديد والنار. يلعب الشطرنج الجيوسياسي في سيناريو مفتوح تلوح فيه مخاطر غير محسوبة. ساعدت الديناميكيات الإقليمية على إنجاز الاتفاق، أما الهدوء الدائم، فيعتمد على تبنّي السلام العادل، وفتح أفق جديد للجميع، العرب والإسرائيليين. إن الأيام وحدها هي الكفيلة بالحكم على مخرجات "قمة شرم الشيخ للسلام"، بمشاركة عدد من أبرز زعماء دول العالم. فهل هي عتبة للسلام، أم مجرد استراحة محارب، قبل استئناف الحرب؟

إن دروس العامين الماضيين مؤلمة وملهمة، ويجب ألا تضيع نتائجها سدى. يقول غوتيريش: "السلام الحقيقي فرصة يجب الإمساك بها قبل أن تُفلت"؛ لذلك المسؤولية الأولى تقع على عاتق "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية في أن تعيد ترتيب البيت من الداخل، وإنهاء الانقسام بينها، قبل أن تجرفهم مياه الطوفان مرة أخرى، ولا سيما أن "الإعدامات الميدانية" بين بعض الفصائل تُبقي الدراما الفلسطينية مملوءة بالدموع والآمال المؤجلة!