.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
مجدداً، عادت مدينة شرم الشيخ المصرية لتتحول إلى مركز للقرار السياسي في الشرق الأوسط، ولكن هذه المرة ليس لمجرد التهدئة أو احتواء أزمة طارئة، بل لرسم ملامح مرحلة جديدة بالكامل. فقمة شرم الشيخ للسلام، التي عُقدت برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبمشاركة أكثر من عشرين زعيماً من الشرق والغرب، تجاوزت في جوهرها سقف التهدئة، لتدشّن معادلة إقليمية جديدة تُعيد تعريف خطوط الصراع والتحالف في المنطقة، ولتضع حداً للمنطق القديم الذي تعامل طويلاً مع غزة باعتبارها ملفّاً إنسانياً موقتاً، أو ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بالنار بين اللاعبين الإقليميين.
وترى القاهرة أن دورها في العملية لم يكن دور الوسيط النمطي فقط، الذي ينقل رسائل بين قاعتين منفصلتين، بل إنها كانت مهندساً للتهدئة، وضامناً للاتفاق، وصانعاً لمسار سياسيّ ما بعد الحرب. والمؤكد أن خلف الستار، لعب جهاز المخابرات العامة، بقيادة الوزير حسن رشاد، دوراً استثنائياً في تفكيك الألغام النفسية والسياسية التي عطّلت الحلّ طويلاً، وهو ما أكّد عليه المستشار الأميركي ستيف ويتكوف صراحة، حين قال إن الاتفاق لم يكن ليرى النور "لولا الجهد غير المُعلن الذي بذله الفريق المصري".
التحوّل الأهم الذي جرى في شرم الشيخ لم يتجسّد فقط بشكل الاتفاق، بل في بنية التفاهمات التي أنتجته، والمناخ السياسي الذي سمح بولادته. فالولايات المتحدة، التي طالما اكتفت بإدارة الصراع، لا بحلّه، عادت هذه المرة برغبة حقيقية في فرض تسوية، ليس لاعتبارات أخلاقية أو إنسانية فحسب، بل لأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحوّل إلى عامل تهديد للاستقرار الإقليمي الذي تراهن عليه واشنطن لترتيب أولوياتها العالمية في مواجهة الصين وروسيا. والإدارة الأميركية بقيادة ترامب أدركت أن استمرار التصعيد في غزة يفتح الباب أمام تعقيدات غير محمودة: تمدّد النفوذ الإيراني عبر وكلائه، عودة الساحة اللبنانية إلى الاشتعال، ارتفاع منسوب السخط في الشارع العربي، وتآكل مصداقية الشراكة الأمنية التي تسوّقها واشنطن لحلفائها في المنطقة.
ولعل ما ميّز هذه اللحظة هو تقاطع الضرورات السياسية؛ فقد تلاقت إرادة مصرية تسعى لحماية أمنها القومي ومنع انفجار حدودها الشرقية مع حاجة أميركية لضبط الإقليم وتخفيف عبء الحروب الصغيرة، التي باتت تؤثر على صورة واشنطن كراعٍ للاستقرار، مع رغبة عربية جامحة لوقف الحرب وتهيئة المناخ لحلّ للقضية الفلسطينية، وفي هذا التقاطع، خرج الاتفاق الذي يضع أساساً لتحول في بنية إدارة غزة ذاتها. فالسؤال اليوم لم يعد كيف نوقف الحرب، بل كيف ندير ما بعدها؟ من يملك الشرعية لإدارة القطاع؟ من سيعيد بناءه؟ ومن يضمن ألا يتحول الإعمار إلى إعادة تمويل دورة العنف؟ وكيف يمكن إجبار "حماس" على عدم استخدامها ما تبقى من سلاح لتصفية الحسابات أو الانتقام من معارضيها؟هذه ليست أسئلة فنية، بل سياسية بامتياز، تمسّ جوهر القضية الفلسطينية وتطرح بحدة إشكالية التمثيل والشرعية.
مؤتمر شرم الشيخ إعلان بانتهاء الحرب وانتقال الصراع إلى مرحلة أخرى وصراع حول تفسير الاتفاق. لكن دلالات القمة تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، لتطال التحولات في داخل إسرائيل نفسها، إذ قد يُفضي وقف الحرب، واختفاء التهديد المسلح من غزة، إلى اهتزاز سرديات اليمين المتطرف، الذي بنى شعبيته على الخوف من الآخر، وعلى خطاب أمني يبرر التوسع والاستيطان والرفض الدائم لأيّ حلّ سياسي. لكن التهدئة وحدها لا تكفي لضرب هذه السرديات؛ فالتطرف لا يموت بانتهاء الحرب، بل قد يعيد إنتاج نفسه عبر أشكال أكثر راديكالية.