.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عاشت الجزائر خلال الأيام الأخيرة تأرجحاً بين حالتين متناقضتين. تتمثل الأولى بعزوف الجزائريين عن الانتصار الكروي الذي أهّل فريق الكرة الجزائري إلى المونديال المقبل، حيث اختفت فجأة مظاهر الاحتفالات الصاخبة المعتادة سابقاً في الشوارع بأي حدث رياضي استثنائي. ولقد فسّر هذا الأمر بنكوص المواطنين جراء انشغالهم بمشكلاتهم الاجتماعية وفي صدارتها غلاء المعيشة.
أما الحالة الثانية فتتمثل بانغماس رواد وسائل التواصل الاجتماعي بحدث جائزة نوبل، خاصة في مجالي الآداب والسلام. وفي هذا الخصوص، انقسم هؤلاء حول الشاعر والناقد أدونيس، وبرز الإجماع المطلق على عدم استحقاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسبب عدم إنصافه للقضايا العربية العادلة.
كان الاختلاف حول الشاعر أدونيس حاداً جداً، وأعاد من جديد تفريخ الصراع القديم بين تيار الحداثة وتيار التقليد. واللافت للنظر هو انشغال الجميع بالشاعر أدونيس، ولم يرافع أحد عن أحقية هذا الشاعر أو ذاك الروائي أو المسرحي الجزائري بجائزة نوبل، وكأن المشهد الأدبي الجزائري فارغ من المواهب البارزة التي يتمتع إنتاجها بالأبعاد العالمية.
في الواقع، لم يصدر أي توضيح رسمي من وزارة الثقافة الجزائرية بشأن عدم ترشيح الجزائر لأي شخصية أدبية وطنية، سواء أكان معرباً أو مفرنساً أو أمازيغياً، علماً بأن من حق هذه الوزارة، أو اتحاد الكتاب الجزائريين ترشيح ممثل للأدب الجزائري المعاصر كما حدث في عام 1983، عندما اتصلت لجنة جائزة نوبل بنا في مكتب الأمانة التنفيذية لهذا الاتحاد وقمت شخصياً، باعتباري أميناً وطنياً للعلاقات الخارجية حينذاك، مع الأمين العام وزملائي في المكتب التنفيذي، بترشيح الروائي الجزائري رشيد بوجدرة لجائزة نوبل في الآداب بشكل رسمي، وبالتنسيق مع الملحق الثقافي السويدي في السفارة السويدية بالجزائر. وقد أشعرنا بموافقة لجنة جائزة نوبل على ذلك الترشيح، وتكلل بالإعلان عن مرشح الجزائر في الصحافة الوطنية والدولية.
في الحقيقة، فقد كان المشهد الأدبي الجزائري، خاصة منذ الاستقلال لغاية ثمانينيات القرن العشرين، يكتنز بعدة أدباء من ذوي السمعة عربياً ودولياً أمثال الروائي والشاعر محمد الديب، والشاعرة الأمازيغية فاظمة عمروش، صاحبة السيرة الذاتية الأدبية اللامعة المترجمة إلى بعض اللغات الحيّة، والشاعر والمسرحي والروائي كاتب ياسين صاحب الشعار الشهير " اللغة الفرنسية غنيمة حرب"، والشاعر والروائي مالك حداد صاحب الصيحة الشهيرة "اللغة الفرنسية منفاي"، علماً بأن هؤلاء كانوا جميعاً أسماء مؤثرة في فرنسا وفي العالم الفرانكفوني على الأقل.
ولكن المسؤولين على الشأن الثقافي في أجهزة الدولة الجزائرية لم يبذلوا الجهد لتسويق إنتاج هؤلاء الأدباء اللامعين والتعريف به في المشهد الثقافي العربي والغربي والأسيوي. ولقد برّر ذلك بسعي السلطات الجزائرية إلى حماية الهوية الثقافية الوطنية عن طريق تثبيت تعريب البلاد وإبعاد السيطرة المزمنة للغة الكولونيالية الفرنسية الموروثة.
ولكن الاهتمام بالتعريب لم يتزامن مع تأسيس مؤسسات تعنى بالأدبين الناطقين بالعربية والأمازيغية ترجمة لهما إلى اللغات الحيَة بهدف التعريف بهما في العالم، وترشيح أقطابهما المبدعين للجوائز العربية والأفريقية والآسيوية والأوروبية/الغربية. وجراء ذلك بقيت الأجناس الأدبية الجزائرية المعربة أسيرة للإهمال والإقصاء في أغلب الأحيان.
في مثل هذا المناخ السلبي، لا توجد لدى الجزائر ديبلوماسية ثقافية تقوم منهجياً بالترويج لأشكال التعبير الأدبي والفني دولياً، أو مؤسسة وطنية فاعلة متخصصة في ترجمة الإنتاج الأدبي الوطني إلى اللغات الحية، كما أن الصحافة الفكرية والأدبية والفنية العابرة للقارات مفقودة في الجزائر مع الأسف.