ثمة شيء ما يتغيّر في ألمانيا

كتاب النهار 13-10-2025 | 05:00
ثمة شيء ما يتغيّر في ألمانيا
الإبادة في غزة عمقت الفجوة بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي؛ إذ واجه الألمان ولأول مرةٍ تحدياً أخلاقياً في الحفاظ على ذلك الدعم لإسرائيل...
ثمة شيء ما يتغيّر في ألمانيا
متظاهرون يحملون ملصقات كتب عليها ”غزة ليست للبيع“ و”غزة ملك لأهلها“ أمام وزارة الخارجية الألمانية في برلين (أ ف ب)
Smaller Bigger

تحافظ ألمانيا الرسمية على دعمٍ شبه مستقر لإسرائيل، رغم ما وقع ويقع منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وهذا ليس بالموقف الغريب عن الدولة الألمانية لأسباب تاريخية، تحولت مع الزمن إلى أسباب نفسية، تنوء بأحمالها الثقيلة على نفوس الألمان.

وحتى وقتٍ قريب كان هناك شبه تطابقٍ بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي، يسبب صدمة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والأثر القوي لبرامج التعليم والتثقيف التي حولت إسرائيل إلى مقدسٍ، والخلط بينها وبين ضحايا المحرقة، الذي قتلوا قبل ولادة الدولة العبرية.

لكن الإبادة الجارية في غزة عمقت الفجوة بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي. إذ واجه الألمان لأول مرةٍ تحدياً أخلاقياً في الحفاظ على ذلك الدعم. في آخر استطلاعٍ للرأي نشر قبل أسابيعٍ، يعتقد حوالى ثلاثة أرباع الألمان أن على حكومتهم اتخاذ موقف أكثر صرامة حيال إسرائيل لإنهاء الحرب. وهي زيادة ملحوظة مقارنةً بجولات الصراع السابقة. وهذا الموقف ليس حكراً على اليسار بل يمتد إلى قواعد الأحزاب المسيحية الديموقراطية الحاكمة؛ بحيث يُشارك 77% من مؤيدي الأحزاب الحاكمة هذا الرأي. بل يمتد إلى القاعدة الناخبة لحزب البديل اليميني المتطرف، الذي يؤيد 61% منه، اتخاذ موقف أكثر صرامة حيال إسرائيل. وكان لافتاً في الذكرى الثانية للحرب، اندفاع عشرات الألوف إلى الشوارع في برلين وكولن مطالبين بوقف الإبادة.

لكنّ هناك تحول نوعي على مستوى النخبة الألمانية، التي شرعت خلال الأسابيع الماضية في حملةٍ لإنهاء ما يسمى "مبدأ الدولة"، الذي يربط المصالح العليا لألمانيا بالدفاع عن إسرائيل، والذي يشكل عقيدةً صلبةً للسياسة الخارجية الألمانية. وهي العقيدة التي وضع أسسها المستشار كونراد أديناور، ومأسستها المستشارة ميركل. لدرجة أنه أُدرج التزام ألمانيا حيال إسرائيل في اتفاق الائتلاف الحكومي عام 2021. فكثيراً ما قوبل انتقاد السياسات الإسرائيلية بالريبة أو باتهامات بمعاداة السامية، وتجنبت الأحزاب السياسية الرئيسية، على اختلاف توجهاتها، أي نقد جوهري لأفعال إسرائيل في الأراضي المحتلة. وبالتالي جعلت هذه العقيدة دعم إسرائيل يحتل مكانةً فوق الالتزامات القانونية والأخلاقية لألمانيا، وحتى مصالح أوروبا. فقد ظلت سياسة ألمانيا نحو إسرائيل مدى العقود القليلة الماضية، وبخاصة داخل الاتحاد الأوروبي، تشكل نوعاً من الفيتو الداعم، لأنها شجعت الشعور بالإفلات من العقاب، وقد ظهرت نتائج ذلك في الحرب الأخيرة على جميع الجبهات.