اليوم التّالي… أمل أم انهيار جديد؟

كتاب النهار 10-10-2025 | 04:35
اليوم التّالي… أمل أم انهيار جديد؟
اتفاق شرم الشيخ يُشبه لحظة تنفس بعد غرقٍ طويل، لكنه لا يعني بالضرورة النجاة. فهو هدنة هشة في أرضٍ مثقلة بالألغام السياسية، يمكن أن تتحول إلى خطوة أولى نحو تسوية شاملة، أو إلى استراحة محاربين قبل انفجار جديد.
اليوم التّالي… أمل أم انهيار جديد؟
فرحة… بين هدنةٍ مريبة وأملٍ محتمل. (أ ف ب)
Smaller Bigger

استيقظ العالم فجر التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2025 على ما انتظره منذ عامين: صمت في سماء غزة. لا طائرات تُحلّق، ولا انفجارات تهزّ الأرض، ولا شريط أخبار ينعى شهداء الليل. وبين الركام، خرجت همهمة مترددة تقول: “ربما هذه المرة يتوقف كل هذا”. لكن السؤال الذي تردده العواصم والمخيمات على حد سواء هو ذاته: هل ما بعد الاتفاق بداية أمل جديد أم فصل آخر من الانهيار؟

اتفاق شرم الشيخ الذي أُعلن فجر الخميس لم يكن ثمرة إرادة سلامٍ حقيقية بقدر ما كان استجابة لضرورات إنسانية وسياسية وعسكرية لا تحتمل التأجيل. بعد 733 يوماً من الحرب، وجد كل طرف نفسه أمام جدار مسدود؛ فـ«حماس» المنهكة عسكرياً وإنسانياً احتاجت إلى هدنة توقف نزيفها الداخلي وتمنحها فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، بينما عجزت «إسرائيل» بقيادة بنيامين نتنياهو عن تحقيق وعودها المعلنة: لا القضاء على المقاومة، ولا استعادة الأمن، ولا تحرير الأسرى. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الساعي إلى تتويج نفسه بجائزة نوبل للسلام وإعادة ترميم صورته كـ«صانع صفقات»، فقد رأى في الاتفاق فرصة لتقديم إنجازٍ ديبلوماسي يُعيده إلى مركز المشهد الدولي بعد عامين من الفوضى والدم.

جوهر الاتفاق كما تراه المصادر هو «سلام الضرورة» لا «سلام القناعة»؛ فالمعلن منه أقل بكثير مما هو مسكوت عنه. المرحلة الأولى التي وُقّعت في شرم الشيخ تتحدث عن وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى وإدخال المساعدات، لكنها تتجاهل القضايا الجذرية: سلاح المقاومة، مستقبل الحكم في غزة، وحدود الدولة الفلسطينية. وكما كتب توماس فريدمان في مقالته الأخيرة في "نيويورك تايمز"، فإن ترامب “يحاول تحقيق معجزة في مكانٍ مكسور”، لكنه يفعل ذلك بمنطق رجل الأعمال الذي يسعى إلى صفقة تُرضي الجميع مؤقتاً ولا تُقنع أحداً دائماً. فالخطة التي يسوّقها تقوم على تجميد الأزمة لا حلّها، وعلى إدارة الصراع لا إنهائه.

ومع أن الاتفاق وُصف بأنه إنجاز ديبلوماسي كبير، إلا أنه مليء بالألغام التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة. أولها مسألة سلاح المقاومة، التي لم تُذكر صراحة في البنود، لكنها تظل اللغم الأكبر القادر على نسف الهدنة متى شاءت إسرائيل أو تغيّرت موازين القوة. ثانيها بقاء الاحتلال في مناطق استراتيجية مثل رفح ومحور فيلادلفيا، ما يجعل الحديث عن «انسحاب» أقرب إلى إعادة تموضع. ثالثها فراغ السلطة في غزة، إذ ترفض إسرائيل عودة "حماس" إلى الحكم، فيما تشترط الحركة أن تخلفها حكومة تكنوقراط فلسطينية بدعم عربي وإسلامي. أما الدولة الفلسطينية، فتبقى هدفاً غامضاً بلا جدول زمني أو التزام واضح، برغم أن العرب يؤكدون أنها الغاية النهائية لأي تسوية.

وفي غزة، تختلط مشاعر الفرح بالحذر. فالناس الذين عاشوا عامين من الجحيم لا يصدقون بسهولة. يتذكرون اتفاقات كثيرة سبقت، وانهارت جميعها تحت أول قذيفة. لذلك فإن سؤالهم البسيط والموجع هو: هل ستلتزم إسرائيل؟ تجربة نتنياهو لا تبشّر بذلك، خصوصاً مع تصريحات وزير ماليته المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي دعا صراحة إلى “تدمير حماس بعد الإفراج عن المحتجزين”. ومع ذلك، يرى البعض أن نتنياهو فقد مبررات الحرب بعدما استنزفت جيشه واقتصاده، وتراجعت صورته عالمياً، بل حتى داخل إسرائيل نفسها، حيث لم تعد الكلفة السياسية والعسكرية للحرب قابلة للتسويق.

الحديث عن “اليوم التالي للحرب” أصبح العنوان الأبرز في النقاشات الدولية، لكنه لا يعني صباحاً جديداً بقدر ما يعني مرحلة معقدة تتنازعها رؤى متضاربة: واشنطن وترامب يتحدثان عن إدارة مؤقتة بإشراف دولي ربما تضم شخصيات مثل توني بلير أو قيادات عربية، بينما تطالب "حماس" بحكومة فلسطينية مستقلة ذات دعم عربي وإسلامي، فيما تريد إسرائيل كياناً منزوع السلاح والسيادة يُدار أمنياً واقتصادياً من الخارج. هذه المعادلة المعلقة تجعل من «اليوم التالي» ساحة اختبار جديدة، لا ضمانة للسلام.

ويرى البعض أن ضمان نجاح الاتفاق يعتمد على أربعة عناصر مترابطة: الصمود الفلسطيني باعتباره صمام الأمان الحقيقي، استمرار الزخم الدولي الداعم للقضية الفلسطينية، بلورة موقف عربي حازم يربط بين استقرار المنطقة وإنهاء الحرب نهائياً، وأخيراً ضمانات أميركية ملزمة تمنع إسرائيل من التراجع أو استئناف العدوان. غير أن كل هذه الضمانات، كما تشير التجارب، تبقى رهينة السياسة وموازين القوى على الأرض، حيث يبدأ الاختبار الحقيقي بعد مغادرة الكاميرات.

إن اتفاق شرم الشيخ يُشبه لحظة تنفس بعد غرقٍ طويل، لكنه لا يعني بالضرورة النجاة. فهو هدنة هشة في أرضٍ مثقلة بالألغام السياسية، يمكن أن تتحول إلى خطوة أولى نحو تسوية شاملة، أو إلى استراحة محاربين قبل انفجار جديد. وبين هدنةٍ مريبة وأملٍ محتمل، يظل السؤال معلّقاً: هل يقود “اليوم التالي” إلى ولادة أفقٍ سياسي حقيقي، أم إلى إعادة إنتاج دورة الدم والدمار؟

الجواب، كما كتب فريدمان، لا يملكه ترامب ولا نتنياهو ولا الوسطاء، بل يملكه الفلسطينيون أنفسهم بقدرتهم على تحويل الهدنة إلى ورقة قوة سياسية، لا إلى استراحة قبل العاصفة. فإن كان ما جرى في شرم الشيخ بداية أملٍ، فهو أمل مشروط بالإرادة والعدالة، وإن كان انهياراً مؤجلاً، فذلك لأن العالم لم يتعلم بعد أن السلام الحقيقي لا يولد من الخوف، بل من الحق.