عامان على الطوفان... "لو كنت أعلم"!

كتاب النهار 09-10-2025 | 04:06
عامان على الطوفان... "لو كنت أعلم"!
جلب "الطوفان" نكبة فلسطينية جديدة وجب الاعتراف بأن جرحها أمضى من تلك التاريخية لعام 1948. وما يُعدُّ للحرب الضروس من نهاية تتسرّب من غموض خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، يستدرجنا إلى استخلاص دروس، أهمها التوقف عن ارتكاب الأوهام...
عامان على الطوفان... "لو كنت أعلم"!
عدم الاستفادة من السلف وتجاربه يقود حتماً إلى تهوّر غير مسؤول متّكل على عون متخيّل. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد مهماً في الذكرى الثانية لعملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها حركة "حماس" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 استعراض مفاصل ما جرى خلال 24 شهراً. وربما الأجدى أن نستنتج بجرأة وتقييم موضوعي صريح النتائج التي وصل إليها ذلك "الطوفان"، والذي لا يمكن أن يكون مطلقوه قد سهوا عن استشرافها وتوقّع حدوثها.

ومن دون البحث كثيراً في ما وراء ذلك الحدث وكواليسه، فإنه يمكن تخيّل أن هناك في رأس القيادة التي أمرت بتنفيذ ذلك الهجوم من استذكر تصريح زعيم "حزب الله" الراحل السيّد حسن نصر الله بعد الحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان عام 2006. قال حينها: "لو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً".

ولئن كان يجوز لنصر الله ألا يتوقع جسامة الردّ الإسرائيلي بعد أول حرب منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، فإن قادة حركة "حماس" شهدوا قبل ذلك 6 حروب شنّتها إسرائيل ضد قطاع غزّة منذ سيطرة الحركة على القطاع عام 2007، وخبروا ضراوة الفتك الذي ذهبت إليه إسرائيل من دون أن تلقى اعتراضاً دولياً، ومن دون أن تتمكن الهيئات القانونية الدولية من ردعها عن الاستمرار في تكرار غيّها في كل مرة.

ما يهمنا هذه الأيام ليس جردة حساب بما حدث خلال العامين المنصرمين. هي كارثة مكتملة الأضلاع، شهدناها جميعاً، على الهواء مباشرة، في سابقة لم يعرفها العالم قبل ذلك. كانت صوراً نادرة مسرًبة بشأن أهوال ما يرتكب في فيتنام، وراء إطلاق دينامية أدت لاحقاً إلى وقف الولايات المتحدة حربها هناك. بالمقابل عجزت الإبادة، وفق التوصيف الأممي، التي ترتكب بشكل شفاف ومباشر عن التعجّل منذ الأيام الأولى لوقف المقتلة على الفور.

على الأبواب المأمولة لانتهاء تلك الحرب هذه الأيام، ترتفع توقعات الهيئات الإسعافية، وتتحدث أن رقم الضحايا المقدرة بحوالى 60 ألف قتيل، قد يصل إلى 300 ألف. تضاف هذه الكارثة البشرية إلى الإبادة الحجرية المنهجية التي سعت إلى شطب قطاع غزّة من خارطة الكوكب. وفيما فلسطينية غزّة من عدمها هي رهن بقاء الفلسطينيين وديمومة تواجدهم فوق هذه الأرض، فإن ورش الإبادة أُضيفت إليها مشاريع وقحة لتنفيذ "ترانسفير" جماعي يخلى الأرض لأصحاب أحلام الـ "ريفييرا" الموعودة.

هي مقامرة أكثر منها مغامرة. جلب "الطوفان" نكبة فلسطينية جديدة وجب الاعتراف بأن جرحها أمضى من تلك التاريخية لعام 1948. وما يُعدُّ للحرب الضروس من نهاية تتسرّب من غموض خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، يستدرجنا إلى استخلاص دروس، أهمها التوقف عن ارتكاب الأوهام التي لا تأخذ في الاعتبار موازين القوى، والمشهد الواقعي للعالم، والتي تنهل منطقها من العقائد الجامدة. كما أن ذلك التفرّد في تقرير مصير الوطن والشعب، لم يكن يوماً برهان حنكة أو دليل وطنية نقية.

لم تبدأ الحكاية الفلسطينية بحركة "حماس". كما أن حكاية المقاومة في لبنان لم تبدأ من "حزب الله". وإذا ما انتهت تجارب السابقين إلى خلاصات وتجارب وأمثولات تفسّر الواقعية وإن كانت فاشلة في مواجهة عدو شرس، فإن عدم الاستفادة من السلف وتجاربه، وحتى تسفيه نضاله واحتقار مساره، يقود حتماً إلى تهوّر غير محسوب وغير مسؤول متّكل على عون متخيّل أو متوخى غير مضمون.

سينسب "المنتصرون" الاندفاعة الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية لـ"الطوفان"، مستخفين بأثمان الكارثة. غير أن علينا جميعاً أن نستسلم لحقيقة أن القضية لا يمكن أن تتقدم إلا من خلال بيئتها الواسعة. وجب أن نعترف بأن قمماً عربية وإسلامية وتحالفاً قادته السعودية مدعومة بدائرتيها الخليجية والإقليمية دفع العالم الى تغيير بوصلته نحو ما قد يقود إلى نهاية لهذه الكارثة. ربما للمؤرخين يوماً إصدار أحكامهم، وربما على من قرر "الطوفان" أن يعترف بما أقرّه من قال يوماً "لو كنت أعلم".