.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ستفقد الانتخابات، التي تعول عليها القوى التقليدية للسيطرة من جديد على السلطات والمال العام، شرعيتها، مع وجود معطيات بأن نسبة التصويت ستكون ما بين 10 إلى 20 بالمئة من الناخبين. ومن ثم سيفقد البرلمان القادم الشرعية أولاً والمشروعية القانونية والمعنوية ثانياً، مما سيضاعف من أزمة النظام السياسي...
في العراق يتراجع الإيمان بأن الانتخابات البرلمانية التي حددها الدستور كل أربع سنوات، يمكن أن تكون بوابة لعملية تغيير جذري أو حتى تدريجي، من خلال التصويت لمن يمثل الشعب العراقي في السلطة التشريعية وفق عقد اجتماعي ـ سياسي، يكون بمثابة الوثيقة التي على أساسها تعمل السلطات التنفيذية. إلا أن التجربة الانتخابية في دورتها الرابعة سنة 2018، كانت مؤشراً على بداية الانفصال بين الناخب وصندوق الاقتراع؛ فالأحزاب وبرامجها السياسية وأيديولوجياتها وعقائدها لم تتغير حتى بعد ذلك التاريخ، رغم الشلل الذي أصاب الدولة نتيجة سوء الإدارة والخدمات وتحول الفساد والسلاح لدولة موازية وهيمنة القرار الإيراني على القرار السيادي، لذلك كان طبيعياً أن تكون نسبة المشاركة في انتخابات 2021، قد سجلت نسبة 20٪ من الذين يحق لهم المشاركة فيها، أو أقل من تلك النسبة وبما يقارب 11٪ التي سجلتها إحدى المنظمات المدنية المعنية بمراقبة الانتخابات.
مع اقتراب موعد إدلاء الناخبين بأصواتهم في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر ، يبدو أن المنحى المتشائم حيال الانتخابات هو ذاته؛ فسمة هذه الانتخابات الأساسية هي أنها لا تحمل صفة التغيير الجدي، وتأتي في سياق التكرار المعتاد الذي شهدناه في الدورات السابقة. فعدم وجود برامج انتخابية حقيقية لغالب القوى أو الائتلافات السياسية والعودة للقانون الانتخابي المعروف بـ"سانت ليغو"، يؤشر إلى أنهم غير مهتمين بإقناع الجمهور بالتغيير بقدر اهتمامهم بالوصول بأي طريقة كانت إلى السلطة، بالمال السياسي الفاسد أو من خلال استغلال مناصب الدولة. وهذا يفسر أن عدم وجود برامج سياسية حقيقية ناجم عن عدم رغبة الجماعات الانتخابية في التزام برامج محددة، وخاضعة لاحقاً للمحاسبة من ناخبيها؛ فمعظم المشاركين في الانتخابات هم من القوى التقليدية المعروفة التي هيمنت على السلطة منذ خمس دورات انتخابية، وهذا سبب آخر لعدم رفع سقف التوقعات المتفائلة بشأن المرحلة المقبلة، مما سيعزز الإقتناعات لدى المقاطعين وحتى المترددين بعدم جدوى المشاركة بأي عملية تمنح الشرعية لهذه المنظومة السياسية.
إن حالة اليأس من تحقيق أي إصلاحات مستقبلية، حفزت دعوات العزوف عن المشاركة بالانتخابات، والتي أخذت تسيطر على الجو العام في العراق. سياسياً، فإن مقاطعة قوى سياسية وازنة لهذه الانتخابات مثل التيار الصدري وائتلاف النصر إلى جانب بعض القوى السياسية المدنية الناشئة، تعني عزوف كثير من الناخبين عن المشاركة، ما يؤدي إلى تصدع الثقة بمجمل العملية الانتخابية ومخرجاتها. وشعبياً، أصوات آلاف من الجمهور الرياضي في أحد الملاعب بالهتاف للمقاطعة يؤشر إلى الرفض الشعبي، مما أعاد النقاش حول شرعية الانتخابات ونتائجها؛ فالمادة (5) من الدستور أشارت ضمناً إلى أن السلطة تفقد شرعيتها عندما لا تحظى بثقة الشعب، فالشرعية تتصل بإرادة المجتمع قبل أن ترتبط بقوانين وضعتها الأحزاب للالتفاف على "مصدر السلطات"، وهذا قد يفسر غياب تحديد نسبة للمشاركة لمنح الانتخابات الشرعية، كإدراك مبكر من واضعي هذه القوانين أنهم سيفقدون ثقة الجمهور لعدم قدرتهم على إقامة الحكم الرشيد أو حتى تحقيق اختراق بسيط في جدار الرفض لهم.
ستفقد الانتخابات، التي تعول عليها القوى التقليدية للسيطرة من جديد على السلطات والمال العام، شرعيتها، مع وجود معطيات بأن نسبة التصويت ستكون ما بين 10 إلى 20 في المئة من الناخبين. ومن ثم سيفقد البرلمان القادم الشرعية أولاً والمشروعية القانونية والمعنوية ثانياً، مما سيضاعف من أزمة النظام السياسي وانعدام مقبولية المعادلة السياسية القادمة التي ستنصهر بتحالفات طائفية، ما قد يؤدي إلى تحرك الشعب بثورة لاستعادة شرعيته التي لا يرغب بمنحها لقوى الفساد والمحاصصة والولاء الخارجي.