تونس تكتشف ذاتها

كتاب النهار 08-10-2025 | 04:07
تونس تكتشف ذاتها
الإقرار بالرقم المرتفع "لحاملي الإعاقة" في تونس يعني أن جهداً إضافياً لا بد من أن يُبذَل حصوصاً في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، وبالتالي تخصيص موازنات إضافية لتلبية الحاجات الخصوصية لهؤلاء.
تونس تكتشف ذاتها
ترسم الأرقام بدقة حجم التحديات المطروحة أمام مجتمع ما زالت لا تتمتع كل فئاته بالحظوظ نفسها.
Smaller Bigger

مثلما كان متوقعاً شكّل التعداد الوطني للسكان لسنة 2024 مرآة للتحولات التي حصلت داخل المجتمع التونسي خلال العقد الماضي.

تضمن التعداد جوانب لافتة تستدعي معالجة أو متابعة أكثر من غيرها بصفتها عوامل مساعدة على الاستقرار والتطور أو بالعكس مصدراً محتملاً لمطبات غير محسوبة.

وتحديد مثل هذه العوامل أمر حيوي في مجهود الاستشراف والتخطيط الذي تتولاه أي دولة في سعيها الى مواكبة تطور مجتمعها. هناك مؤشرات مطمئنة الى استقرار المجتمع مثل امتلاك 75 في المئة لمساكنهم. ولكن هناك ما يدعو لإعادة التفكير ومراجعة المواقف السابقة.

خذ مثلاً مسألة أصحاب الهمم أو المعوقين. تونس خطت بالإحصائيات الأخيرة خطوة محمودة نحو الإقرار بالحجم الحقيقي لهذه الفئة وتحديث تعريفها لمن ينتمون إليها.

قال التعداد الرسمي الأخير إن عددهم يبلغ مليوناً و750 ألفاً من جملة 12 مليون تونسي، أي أكثر من 15 في المئة من العدد الإجمالي للسكان. بينهم 10 في المئة فقط حاصلون على بطاقة الإعاقة التي تسمح لأصحابها بالحصول على الامتيازات التي تمنحها الدولة لأصحاب الهمم. وهناك 41 في المئة فقط من بين المعوقين الذين هم في سن الدراسة يرتادون مؤسسة تعليمية.

المفاجأة لم تتمثل في النسبة المرتفعة لهذه الفئة من المجتمع، لأن العدد جاء في الواقع مطابقاً للمعدلات العالمية. تمثلت المفاجأة في الفرق الكبير بين نتائج الإحصاء الأخير والبيانات المستقاة من "التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014".

تقول أرقام سنة 2014 إن عدد "حاملي الإعاقة" كان يبلغ وقتها ما يناهز 134 ألف شخص فقط، أي 1,21 في المئة من مجموع السكان وليس أكثر.

تحدث بعض الهيئات الرسمية وغير الرسمية منذ 2014 عن نسب تبلغ 3 أو 4 في المئة في محاولة منها لتحديث المعطيات حول حجم هذه الفئة. ولكن أن تقر الأرقام الرسمية الجديدة أن عدد هؤلاء يتجاوز نسبة 15 في المئة من التونسيين فذلك لم يكن متوقعاً.

الإقرار بالرقم المرتفع "لحاملي الإعاقة" في تونس يعني أن جهداً إضافياً لا بد من أن يُبذَل خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، وبالتالي تخصيص موازنات إضافية لتلبية الحاجات الخصوصية لهؤلاء.

يبدو ذلك ضرورياً حتى يتمتع أصحاب الهمم بسائر حقوقهم، ولكنه ليس بالأمر السهل في زمن تتزاحم فيه أولويات الإنفاق حتى في ظل دولة تريد نفسها "دولة اجتماعية" قبل كل شيء.

أظهر التعداد أيضاً أن على التونسيين أن يبذلوا جهداً إضافياً أيضاً من أجل أن تكون للمرأة الحظوظ نفسها التي يتمتع بها الرجل في الواقع المُعاش وليس فقط أن تتساوى معه نظرياً في الحقوق. تظهر الأرقام أن المرأة متخلفة عن الرجل في مواجهتها للبطالة والأمية رغم تفوقها في نسب التمدرس (الدراسة). تبلغ نسبة الأمية حوالى 17 في المئة من مجموع السكان ولكنها تقارب الضعف عند الإناث.

بيّن التعداد أن جذور الهنات مترابطة. أبرزت النتائج استمرار معاناة الشباب من مشاكل الانقطاع المبكر عن الدراسة وعدم توافر مواطن الشغل. فأكثر من ثلث الشباب حسب الأرقام الأخيرة لا يمارس مهنة ولا يتابع تعليماً. يظهر التعداد الوطني للسكان  نفسه أن حوالى 156 ألف تونسي هاجروا إلى الخارج خلال السنوات الخمس الأخيرة. والهاجس الأكبر لمن اختاروا طريق المهجر حسب الإحصاء هو البحث عن العمل.

ترسم الأرقام بدقة حجم التحديات المطروحة أمام مجتمع ما زالت لا تتمتع كل فئاته بالحظوظ نفسها.

ويبقى الأمل قائماً أن ينير ذلك سبيل أصحاب القرار وهم يحددون أولويات المرحلة القادمة... فلا يعني التشخيص شيئاً إن لم يكن توطئة للعلاج.