ماذا يحدث للمنظمات الجماهيرية الجزائرية؟

كتاب النهار 07-10-2025 | 04:09
ماذا يحدث للمنظمات الجماهيرية الجزائرية؟
هل يدعم اتحاد العمال الجزائريين حقوق الشريحة العمالية الجزائرية؟ ولماذا تلجأ قيادة حزب جبهة التحرير الوطني باستمرار إلى الاستغراق في القضايا التنظيمية بدل العمل من أجل ربح معركة تحديث المجتمع؟
ماذا يحدث للمنظمات الجماهيرية الجزائرية؟
الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين أعمر تقجوت.
Smaller Bigger

شهدت الجزائر خلال أسبوع واحدٍ حدثين اثنين, هما قيام اتحاد العمال الجزائريين بمراجعة تنظيم هياكله، وشروع حزب جبهة التحرير الوطني بتجديد هياكله، وذلك استعداداً لخوض "الاستحقاقات التشريعية والمحلية القادمة"، وفق ما أكّدت تصريحات الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، أعمر تقجوت، والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عبد الكريم بن مبارك.

هل يعني هذا أن اتحاد العمال الجزائريين سوف يدعم حقوق الشريحة العمالية الجزائرية التي تواجه مشكلات متراكمة، مثل البطالة وعدم تكافؤ رواتب العمال مع غلاء المعيشة وأسعار الإيجار، فضلاً عن ارتفاع تكاليف البناء؟ ثم، لماذا تلجأ قيادة حزب جبهة التحرير الوطني باستمرار إلى الاستغراق في القضايا التنظيمية ذات الطابع البيروقراطي بدل العمل من أجل ربح معركة تحديث المجتمع وبنياته المادية والرمزية؟

بداية، ينبغي التوضيح بأن اتحاد العمال الجزائريين قد أصابه الوهن منذ خفوت صوت المنظمات الجماهيرية، علماً أن عدد القوة العاملة الجزائرية قد بلغ 13 مليون شخص ونيف، منهم أكثر من مليون عامل في الوظيفة العامة، كما أنّ "أغلب موظفي الوظيفة العامة ينتمون ويعملون في قطاعات التربية والتكوين"، وذلك حسب إحصاءات عام 2024.

من المعروف أن اتحاد العمال الجزائريين كان منظمة جماهيرية لها تأثير نسبي، أثناء مرحلة الأحادية الحزبية، على توجيه القرار السياسي على الأقلّ بفضل آليات التمثيل المركزي والقاعدي المعتبر. وكان تنظيمها الهيكلي حينذاك يسمح لها بالتدخل في مناقشة وتعديل القوانين ذات الصلة بالتقاعد، والزيادات في الرواتب، والتشريعات الخاصة بالقطاع الصحي. أما في الوقت الحالي، فإن اتحاد العمال الجزائريين قد حلّت محلّه أجهزة الحكومة والرئاسة، التي تنفرد بالإشراف على كل ما يمسّ شؤون اليد العاملة الجزائرية.

وبسبب انكماش دور اتحاد العمال الجزائريين أصبح خارج لعبة التأثير السياسي، وصار غير قادر على تأسيس علاقة جديدة أكثر فاعلية وذات طابع رقابي ميداني محكم يضمن حماية أوضاع وحقوق العمال والعاملات في مختلف مؤسسات القطاع الخاص التي تتصرف في الأغلب وفق مصالح أصحابها.

في الواقع، فإن ضعف اتحاد العمال الجزائريين لا يختلف عن تراجع المنظمات الجماهيرية الأخرى التي كان صوتها مسموعاً نسبياً في عهد الأحادية الحزبية. وفي هذا الخصوص، فقد لاحظ مراقبون سياسيون جزائريون متخصصون في شؤون المجتمع المدني وعلاقته بالسلطة الحاكمة خفوت أصوات اتحاد الفلاحين الجزائريين واتحاد النساء الجزائريات والنقابات الصغرى الأخرى.

أما الاتحادات الثقافية والمهنية مثل اتحادات الكتاب والصحافيين والفنانين الجزائريين فقد أصبحت مجرد "منصَات" لوزارتي الاتصال والثقافة؛ الأمر الذي حوّل نشاطاتها إلى تظاهرات مناسباتية تفتقد في الأغلب الفاعلية الإبداعية. واللافت للنظر هو أن هذه الاتحادات لم تنجح في جمع شمل الأعضاء المنخرطين فيها حول برنامج موحّد يجري خلاله الدفاع عن حقوق المنتجين المنتمين إلى قطاعي الثقافة والإعلام.

وفي هذا المناخ العام، ضيّع حزب جبهة التحرير الوطني ذلك "المنوبول"، الذي تمتع به طوال مرحلة الأحادية الحزبية التي امتدت من 1962 إلى غاية تدشين التعددية الحزبية في ثمانينيات القرن الماضي، ألا وهو التحكم المطلق بالمنظمات الجماهيرية والاتحادات الثقافية والمهنية والعلمية والصحافية. ولقد نتج عن ذلك "تفريغ" هذا الحزب من الفسيفساء التقليدية المكونة من شرائح المثقفين ذوي الاتجاهات الفكرية والعقائدية المختلفة والمتنوعة. ولقد أسفر هذا "التفريغ" التدريجي عن سيطرة "التكنوقراطيين" على مفاصله المركزية وبذلك صار كياناً بيروقراطياً شبه مغلق على نفسه.