.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في حدثٍ نادرٍ جمع وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، أكثر من 800 من الجنرالات والأدميرالات في الجيش داخل قاعدة لمشاة البحرية في كوانتيكو بولاية فرجينيا، ملقياً فيهم خطاباً لافتاً. ومرحّباً بهم في "وزارة الحرب" الجديدة بعدما ولّى عهد وزارة الدفاع.
اعتمد دونالد ترامب اعتماداً كبيراً على الجيش منذ عودته إلى السلطة لتحقيق أهدافه، حيث نشر الحرس الوطني في لوس أنجلس وواشنطن العاصمة. وأعلن نيّته إرسال قوات إلى بورتلاند وأوريغون وشيكاغو وممفيس، ولوّح بذلك في بالتيمور ونيو أورلينز كمناطق انتشار محتملة. لكن خطاب وزير دفاعه يعطي صورةً أوضح عن المؤسسة التي يريد أن يستند إليها داخلياً وخارجياً.
الجدل الذي رافق خطاب هيغسيث في الإعلام الغربي، بشأن استعداد أميركا للحرب، يبدو جدلاً لا تاريخياً. فهو ليس تحولاً جذرياً بقدر ما هو انعكاس لتقليد أميركي راسخ ينظر إلى الحرب كأداة أساسية من أدوات الحكم. فالحرب كما يصفها بول إل. أتوود في كتابه "الحرب والإمبراطورية"، هي أسلوب الحياة الأميركية. وترامب الباحث عن جائزة نوبل بهوس لا يخفيه، لا يستطيع الخروج عن هذا الأسلوب.
منذ تأسيسها، خاضت أميركا عشرات الحروب. الصراع والمغالبة كانا جزءاً من طبيعة تكوينها، بوصفها مستعمرة استيطانية قامت على نزع الملكية. ومنذ نهاية الحرب الباردة تحديداً، شاركت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في معظم الصراعات والحروب الكبرى في الشرق الأوسط والمناطق المحيطة بها. وأخيراً، وبحجة مكافحة تهريب المخدرات، وسّعت انتشارها العسكري في منطقة البحر الكاريبي، حيث شنت ثلاث هجمات متتالية على ما وصفته بسفن نقل مخدرات فنزويلية. لذلك فإن الخط الذي يسير فيه ترامب اليوم ليس انحرافاً، بل تجسيد لمسارٍ امتد لقرون. فمن مبدأ مونرو عام 1823 إلى حرب أوكرانيا الجارية، سعت السياسة الأميركية باستمرار إلى توسيع النفوذ، وتأمين الأسواق، والسيطرة على الموارد، وغالباً ما جرى ذلك من خلال القوة العسكرية.
لذلك فإن حالة العسكرة التي يفرضها ترامب اليوم في المجال الحيوي للبلاد عبر عمليات مكافحة المخدرات، ما هي إلا غطاء لمصالح استراتيجية أعمق، أبرزها احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة، التي تتجاوز 300 مليار برميل. والتي يقف دونها وجود نظام نيكولاس مادورو ''المعادي". يسلك ترامب سياسة حافة الهاوية، من خلال نشر الأصول العسكرية لإبراز القوة مع إبقاء الخيارات مفتوحة. فإذا تبيّن أن العمل المباشر مكلف للغاية، يمكنه أن يدّعي نجاحه في معاقبة مهربي المخدرات، دون التصعيد، مُرضياً بذلك قاعدته المحلية. وهذا يعكس أسلوبه التعاملي: فهو دائماً ما يُهيّئ نفسه للتراجع برشاقة مع الحفاظ على مظهر العزم.
ومن مظاهر العزم تلك، التلاعب اللغوي والخطابي، كأن يبدل اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، أو يلوّح بمعاقبة هذه الدولة أو تلك، دون أن يفعل ذلك. وهذا التلاعب بسبب قوة إخراجه الإعلامية يبدو أحياناً تحوّلاً جذرياً نحو طلب الحرب، حيث لم تكن الإدارات السابقة تستعمل هذا الأسلوب مع أنها خاضت حروباً أكثر وأشد من حروب ترامب.
فالحرب لم تكن يوماً حالة استثناء في الحياة الأميركية، بل سمة مميزة لها. وسيلة للحفاظ على الامتيازات الاقتصادية، ودرء التفاوت الداخلي، وفرض نظام عالمي يصب في مصلحة الإمبراطورية، التي تنتشر على أكثر من 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 80 دولة في العالم. وسواء كان الأمر يتعلق بالمصالح الاستراتيجية التي لم تتغيّر كثيراً، أو تعلق بطبيعة الأعداء ودوافع الصراعات، فإن كل رئيس أميركي، منذ التأسيس حتى بايدن، اختار أين وكيف يخوض حروبه الخاصة لزيادة نفوذه وقوته، وترامب لن يشذّ عن هذه القاعدة.