منطق المقاومة المسلّحة إلى طيّات الزمن

كتاب النهار 05-10-2025 | 06:00
منطق المقاومة المسلّحة إلى طيّات الزمن
عندما طبع دونالد ترامب اسمه على خطة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة وعلى مسارٍ نحو شرق أوسط جديد، تعهّد بالإشراف عليه شخصياً، لم يقم بذلك ارتجالياً أو اعتباطياً...
منطق المقاومة المسلّحة إلى طيّات الزمن
صياغة مسودة الخطة وما تلاها نسجها ترامب بمساهمة دولٍ عربية وإسلامية رئيسية أجمعت على مواقف غير مسبوقة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما طبع دونالد ترامب اسمه على خطة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة وعلى مسارٍ نحو شرق أوسط جديد، تعهّد بالإشراف عليه شخصياً، لم يقم بذلك ارتجالياً أو اعتباطياً. صياغة مسودة الخطة وما تلاها من تعديلات نسجها الرئيس الأميركي بمساهمة دولٍ عربية وإسلامية رئيسية أجمعت على مواقف غير مسبوقة، بالذات نحو منطق الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، ونحو محور المقاومة الذي تقوده إيران، ونحو حركة "حماس" عشية مضي سنتين على أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، ونحو إسرائيل.

دولٌ أساسية لديمومة حركة "حماس" في فلسطين وإدامة منطق المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، بالذات قطر وتركيا، قررتا أن الوقت حان لإبلاغ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن تاريخ انتهاء صلاحيتها هو الآن. لم يأتِ هذا القرار من فراغ بل أتى من خلفيات عدة، تشمل ما آلت إليه أوضاع المدنيين في غزة من كارثة ومأساة إنسانية ووطنية نتيجة الخطأ التكتيكي والاستراتيجي الضخم الذي ارتكبته "حماس" في 7 أكتوبر 2023 وتباهى قادتها بأنه كان قراراً مدروساً. سنعود إلى ذلك بعد قليل لأنه أمرٌ بالغ الأهمية.

العناصر الأخرى التي أدّت إلى قرار إنهاء صلاحية "حماس" تشمل التالي: التداعيات الأمنية على السيادة الوطنية إذا استمرت الدول المعنية في استضافة قادة "حماس" بمختلف أطيافهم، كما بيّن اعتداء إسرائيل على السيادة القطرية قبل أسابيع. انكشاف مدى استخدام الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحركات والميليشيات الإسلامية، الشيعية منها والسنّية، لمآرب لا علاقة لها حقاً بفلسطين بل بطموحات النظام التوسعية. وضوح عزم الولايات المتحدة الأميركية على قطع الأذرع الإيرانية، كما فعلت عندما سمحت لإسرائيل ومكّنتها من عملياتها ضد "حزب الله" في لبنان وسوريا وضد الحوثي في اليمن، وعزمها أيضاً على تطويق وإضعاف جماعة "الإخوان المسلمين" برمّتها أينما كان.

مصر لها أبعاد خاصة في هذه المعادلة، لا سيّما أن أحد أهم دوافع معارضتها القاطعة للتهجير من غزة يكمن في مخاوفها من تصدير الإخوان المسلمين إليها، علماً أن هذه الجماعة ما زالت مصدر تهديد للنظام الحاكم في مصر. إسرائيل تعمّدت استخدام ورقة الإخوان المسلمين ليس فقط لزعزعة المعادلة الهشة في مصر، بل أيضاً لإطاحة الاستقرار في الأردن، وذلك عبر تصدير الأمر الواقع للإخوان المسلمين من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية خارج المناطق الفلسطينية.

خطة ترامب لغزة تسعى لإيقاف سياسة التهجير القسري الإسرائيلية، واستبدالها عملياً بالتهجير الطوعي. فلقد كان في ذهن إسرائيل اصطياد عصفورين بحجر: التهجير القسري للشعب الفلسطيني خارج فلسطين، وتصدير الإخوان المسلمين إلى مصر والأردن لتحقيق أهدافٍ توراتية. أما إدارة ترامب، فما كان في ذهنها هو مشاريع عقارية لأقطابها ترافق دعمها لإسرائيل في القضاء على "حماس" عن بكرة أبيها.

ما حدث في اجتماع نيويورك للرئيس ترامب مع قادة الدول العربية والإسلامية مهمّ على الأصعدة كافة، من بينها، أنه اقتنع أخيراً بأن مشاريع إسرائيل الرامية إلى زعزعة مصر والأردن ليس في المصلحة الأميركية العليا.

بالقدر نفسه من الأهمية، هو تعهد كامل الدول العربية والإسلامية التي حضرت ذلك الاجتماع، بأنها جاهزة للتخلي عن دعم "حماس"، سياسياً وعملياً، وبأنها مستعدة لتسهيل مغادرة طوعية لقادة "حماس" وبنيتها العسكرية والسياسية من غزة إلى دولٍ معينة مع التعهد بالاحتواء الكامل والمنع القاطع لإعادة ترتيب صفوفهم.

انطلقت قيادات هذه الدول من حشدها الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية، ومن تعهّد السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس بأن أيّ دولة فلسطينية ستكون منزوعة السلاح. انطلقت من إدراكها الواقعي بهزيمة "حماس" في الحرب التي شنتها في 7 أكتوبر بهمجية بناءً على مبدأ استخدام الرهائن وسيلة لتحرير فلسطين أسفرت عن همجية إسرائيلية قاطعة ضد الفلسطينيين وعن إبادة وتهجير وتنفيذ لمشاريع إعادة احتلال غزة وضم الضفة الغربية.

توافقت الدول العربية والإسلامية الأساسية على أن لا مناص الآن من أجل إنقاذ الفلسطينيين المدنيين من البطش الإسرائيلي الأعظم سوى مساعدة "حماس" على الاستسلام. بالقدر نفسه من الأهمية، وافقت هذه الدول على شرط الرئيس الأميركي بأنه إذا رفضت "حماس" تنفيذ خطة ترامب ذات العشرين بنداً، فإنها لن ترفع صوتاً عندما يعطي دونالد ترامب الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بكل ما تراه ضرورياً لإنهاء "حماس" في غزة.

عند كتابة هذه المقالة، لم يكن واضحاً ما إذا كانت "حماس" ستنفّذ خطة ترامب بل كانت تتهم أميركا وإسرائيل بتغيير بنودها، وكانت تضع الدول التي شاركت في اجتماع نيويورك على المحك، بالذات قطر ومصر اللتان كانتا ترعيان المفاوضات بين "حماس" وإسرائيل، وكذلك تركيا والسعودية وباكستان وإندونيسيا والأردن والإمارات.

بغض النظر إن نفّذ الرئيس ترامب إنذار الخط الأحمر لـ"حماس"، أو إن أذعنت "حماس" لخطة ترامب التي دعمتها، ليس فقط الدول العربية والإسلامية، بل أيضاً الأوروبية وكذلك روسيا إلى حد ما، إن الخلاصة بديهية.

الخلاصة هي أن الدول العربية والإسلامية، بمعظمها وباستثناءات قليلة، قررت أن لا داعي للمزايدات على الفلسطينيين باسم القضية الفلسطينية في ضوء عدم قدرتها أو عدم استعدادها للخوض في حروب مع إسرائيل بسبب أولوياتها الوطنية والقومية. قررت أن زمن الطائرات المحمّلة بملايين الدولارات والأسلحة التي انطلقت من طرابلس ليبيا أو بغداد العراق في زمن معمر القذافي وصدام حسين إلى قادة فتح والجهاد الإسلامي وغيرها، لم يخدم ما سُمي دوماً بـ"القضية الفلسطينية"، بل استخدمها.

كما تلك القيادات، كذلك قيادات النظام في طهران التي عبّأت "حماس" و"حزب الله" والحشد الشعبي والحوثيين باسم فلسطين، ثم انزوت بعدما خاضت أول حرب بين الفرس واليهود، في حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة. أجبرتها الواقعية والبراغماتية على التخلي فعلياً عن أذرعها في غزة مهما زعمت أنها زعيمة محور المقاومة من أجل فلسطين - محور الفشل.

قد يقال إن محور المفاوضات السلمية مع إسرائيل هو أيضاً محور الفشل كما تشهد كل المحاولات على مدى عقود للتوصل إلى حل سلمي للنزاع العربي - الإسرائيلي، أو للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. هذا صحيح تماماً. من عملية السلام للشرق الأوسط، إلى مدريد إلى أوسلو، كلها مساعٍ اصطدمت بالرفض الإسرائيلي لمنطق التعايش السلمي ولحل الدولتين بمفهومه الأساسي، أي دولة فلسطينية على حدود الهزيمة لحرب 1967. إسرائيل دوماً رفضت العروض العربية للسلام ودائماً تذرّعت بأن لا شريك جدياً لها في المفاوضات، فيما كانت، منذ البداية، عازمة على تنفيذ مشروع يهودا والسامرة بدلاً من الضفة الغربية وغزة.

ونعم، إن أميركا هي التي تبنّت طفلها المدلل إسرائيل ورعته على انتهاك القوانين الدولية، وقضم الأراضي، وتمكين المستوطنين من طرد الفلسطينيين من بيوتهم، واحتلال الأراضي العربية، والإبادة والتهجير وكل ذلك. هذا صحيح تماماً.

لكن ما أمامنا الآن هو تقلّص الخيارات إزاء وضوح الانتصار العسكري الإسرائيلي المدعوم أميركياً من جهة، ووضوح القرار الاستراتيجي للدول العربية والإسلامية أن لا استعداد للحرب مع المحور الأميركي - الإسرائيلي، من جهة أخرى. القرار هو أن لا خيار آخر سوى ديبلوماسية الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية، السياسية والأمنية، لعلها تؤدّي إلى نوع من إعادة التوازن الأميركي - العربي كي لا تكون البوصلة منحازة كلياً للموازين الأميركية - الإسرائيلية.

ديبلوماسية الشراكة ترافقها أدوات الإقناع الضروري بأن الدول العربية والإسلامية انتقلت من خانة دعم ما كان يُسمى بالكفاح المسلح لإزالة الاحتلال الإسرائيلي، إلى ما يمكن تسميته الآن بالديبلوماسية الصارمة في وجه إسرائيل لقطع الطريق على سياساتها التهجيرية والتوسعية والانتقامية والإبادية.

جيرة إسرائيل المباشرة غير قادرة على مواجهتها عسكرياً. سوريا اليوم ليست سوريا الأمس التي زعمت تبنّي القضية الفلسطينية وتبنّت الفصائل الفلسطينية المسلحة لخدمة النظام في سوريا ومشاريعه في لبنان. سوريا اليوم تتفاهم أمنياً مع إسرائيل وهي جاهزة للالتحاق بالاتفاقيات الإبراهيمية للسلام مع إسرائيل فتكون الجارة الثالثة لإسرائيل، إلى جانب مصر والأردن، توقّع اتفاقيات سلام.

لبنان جارٌ يتأرجح على الأنغام الإيرانية، لكنه قد يتمكن من التحرر من الهيمنة الإيرانية تحت ضغوط الأمر الواقع، فيكون آخر الجيران الملتحقين بقطار السلام مع إسرائيل. ذلك أن الكفاح المسلح لم يعد خياراً، لا من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، ولا من الحدود السورية - الإسرائيلية. فلقد انتهى محور المقاومة أينما كان.

سيقال، لقد انتهت قضية فلسطين. لن يعترف أي مسؤول عربي بما يُسمى "تصفية" القضية الفلسطينية، بغض النظر عن معنى هذا التعبير. واقع الأمر أن فلسطين شعب وأرض يستحق دولة، بدون أي شك. واقع الأمر أن التاريخ أساء بعمق كبير لفلسطين وجعل منها كارثة صنعتها الدول. الحق يقال إن الفلسطينيين ضحية العالم، وضحية قياداتهم المبعثرة بين دعاة الكفاح المسلح ودعاة التسويات السياسية. الحق يقال إن الاحتلال هو أكبر انتهاك لحقوق الإنسان.

فلنتوقف عن وصف هذه المأساة بأنها قضية عربية أو قضية إسلامية. فلسطين لم تعد قضية، ولربما كان يجب ألا تسمّى قضية قابلة للاستغلال.