من الاحتجاجات في المغرب (أ ف ب)
أصدرت جريدة "لوموند" في الذكرى السادسة والخمسين لانتفاضة أيار/ مايو 1968 عدداً خاصاً بالذكرى تحت عنوان "68، الأيام التي هزّت فرنسا". "لوموند" اعتبرت ـ بشكل استفهامي ـ أن انتفاضة أيار/ مايو 1968 شكلت هزة للوعي الجماعي للفرنسيين، وأنها تعبير عن شباب فاقد لليوتوبيا والأمل، وكانت كذلك طموحاً لإرضاء المتعة في حياة يومية يغلب عليها اللون الرمادي، وشكلت مطلباً ديموقراطياً لكي يتمكن كل مواطن؛ لا فقط من التحدث، بل وبالأساس من ضرورة الاستماع إليه. لقد كانت، باختصار، ثورة لا تريد أن تستولي على السلطة... بل كما قال المفكر والفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر، كانت توسيعاً لمجال الممكنات.شيء من هذا يحدث في أكثر من مكان حول العالم، وهنا تبرز ظاهرة احتجاجية جديدة يقودها ـ ظاهرياً وإعلامياً "جيل Z"، وهي الفئة العمرية التي وُلدت تقريباً بين 1995 و2011، والتي تشكل وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات جزءاً من هويّتها وكينونتها. هي بلا شك ظاهرة ما زالت تحتاج إلى كثير من الوقت من أجل فهمها، وهي لا تمثل كتلة منسجمة طبقياً وفكرياً ومطلبياً، لكن بصورة عامة فإنها تحمل الكثير من خصائص التمرد التي يتصف بها الشباب، خاصة في ظل التاريخ المعاصر: التمرد على مظاهر السلطة والقهر مهما كان مصدرها، من سلطة المجتمع ومعاييره الأخلاقية والجمالية، إلى سلطة الدولة بمظاهرها المختلفة، مروراً بسلطة الأسرة والمدرسة سواء في حضورها أو غيابها. هذا الجيل يعيش قيماً كونية باعتباره كائناً رقمياً مكنته التكنولوجيا من اختصار المسافات باتجاه ثقافات وأنماط عيش في مجتمعات أخرى، بل داخل المجتمع نفسه تُكتشف مستويات عيش يبرزها المؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كانت لا تعكس كل حقيقتهم، فإنها تؤثر بشكل درامي على منظور فئات واسعة من هذا الجيل لذاته ولمعنى الحياة، وتجعله يطرح أسئلة وجودية تتعلق بواقعه وحجم الفوارق الموجودة في المجتمعات، والتي هي في الحقيقة جزء من حقيقة المجتمعات نفسها لكنها فقط لم تكن متاحة للجميع وبشكل استفزازي أحياناً. ذلك أن الفوارق الطبقية كانت دائماً، والمعركة كانت حول تقليص الفوارق أو ـ لمَ لا ـ تحقيق يوتوبيا إلغائها.منذ أن أعلن جان-فرانسوا ليوتار في سبعينيات القرن الماضي «موت السرديات الكبرى» في سياق ما بعد الحداثة، بدا كأن البشرية تدخل زمناً جديداً لا مكان فيه للقصص الشاملة التي تعد بالتحرر أو التقدم أو النهضة. غير أنّ تجربة جيل Z تكشف عن تناقض عميق: فهو جيل ينشأ في عالم يرفض الأيديولوجيات المغلقة، لكنه في الوقت ذاته يواجه أزمة معنى خانقة تدفعه إلى البحث عن قصة جامعة تعطي حياته واتجاهه أفقاً أو أملاً.جيل Z هو جيل الرقمنة والاتصال الكوني، يعيش يومياً في شبكات عابرة للحدود، لكنه يواجه في المقابل أزمات وجودية متراكمة: تغيّر المناخ، اضطراب الاقتصاد، اتساع الفوارق الاجتماعية، الحروب والنزاعات الإقليمية. هذا التوتر بين الانفتاح الرقمي والأزمات الواقعية يفسّر جانباً من ...