رجل وحيد في مكان مظلم

كتاب النهار 28-09-2025 | 07:30
رجل وحيد في مكان مظلم
"تشرشل" هو النموذج الذي اقترحه بنيامين نتنياهو على نفسه مع انطلاق حرب الإبادة على غزة. كان الأمر أقرب إلى نوع من التقمص البلاغي الذي نفذه ضمن جدول زمني واضح.
رجل وحيد في مكان مظلم
مسيرة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء إلقائه كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 26 سبتمبر 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

"تشرشل" هو النموذج الذي اقترحه بنيامين نتنياهو على نفسه مع انطلاق حرب الإبادة على غزة. كان الأمر أقرب إلى نوع من التقمص البلاغي الذي نفذه ضمن جدول زمني واضح. مزيج من الأداء الشعبوي والمصطلحات التحريضية التي ارتبطت بالرجل، مثل "النصر المطلق"، الذي أصبح لازمة في خطابات نتنياهو، والتعابير المفرطة في استشراقيتها، مثل "الحضارة في مواجهة البربرية"، وسياسة عزل كل الأصوات المتعارضة مع خطابه وتهميشها وسحقها.

مع انطلاق طائرات سلاح الجو لتدمير غزة، كان قد أنهى وضع جدول طويل بخطابات ومقولات وتعليقات "ونستون تشرشل" على غزة، بما فيها خطابه الأخير في الكونغرس الأميركي أثناء محاولاته إقناع الرئيس الأميركي روزفلت بدخول الحرب إلى جانب بريطانيا. كان قاموساً أبيض موجهاً للبيض، ويخدم تماماً المظلة التي سيتم تنفيذ المحرقة تحتها؛ الحضارة في مواجهة البربرية، العالم الأبيض في مواجهة الألوان البشرية الأخرى، "المختارون" في مواجهة الذين لم يشملهم الاختيار الإلهي، بريطانيا الجزيرة الديموقراطية التي تدافع عن "العالم" في مواجهة النازية.

غطى تشرشل عنصريته الاستعمارية بكفاحه من أجل بريطانيا، في مواجهة "النازية"، الظاهرة الأكثر سواداً ووحشية في تاريخ أوروبا والعالم. وبنى بطولته على انتصار الحلفاء، رغم أن بريطانيا جاءت ثالثاً في الترتيب بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كان ذلك واضحاً بالنسبة له، وكان واضحاً أيضاً أن بريطانيا بعد الانتصار على النازية لم تعد عظمى.

في حالة نتنياهو تنعكس الآية بشكل محزن، ويتحول الأمر إلى خديعة إذ عليه أن يقوم بالدورين معاً، "صانع المحرقة" على الأرض ورجل "النصر المطلق" في الخطاب، ويبدو أنه لم يحصل على البضاعة.

لهذا في رحلته عبر مقولات تشرشل، انتقل إلى خطاب الأخير الشهير في عام 1940 "ليس لدي سوى الدم والدموع والعرق لأمنحه لكم".

على تخوم السنة الثانية للحرب على غزة، سيضيف نموذج "إسبارطة" رغم التناقض الفاجع بين الخسارة الانتحارية للإسبرطيين و"النصر المطلق" الذي سعى إليه تشرشل. استعارة متأخرة لتوظيف العزلة التي تتفاقم حول إسرائيل، التي لم يعد ممكناً تغطيتها بعبارات مثل "العالم الحر معنا"، بينما التظاهرات التي تطالب بوقف الإبادة في غزة ومحاكمة القتلة تعم شوارع "العالم الحر"، وأشرعة الأسطول العالمي الذاهب لكسر الحصار على غزة على وشك الظهور في الأفق، ودعوات إخراج إسرائيل من تصفيات بطولة العالم لكرة القدم تحظى بغالبية لجنة "الفيفا"، وحملة إخراج إسرائيل من مسابقة "اليوروفيجن" الموسيقية تتواصل بقوة... الأمر الآن يصل إلى الحياة اليومية للإسرائيليين في الشارع، ويتجاوز مقاطعة بضائع المستوطنات ومنع رسو سفن السياح في شواطئ المتوسط، ومبيعات السلاح... لذلك تبدو "إسبارطة العظمى" نوعاً من الخلاص ووسيلة لاستثمار العزلة، وتحريك روح "الضحية"، ووضع حكمة الاختيار الإلهي للشعب في مواجهة ضلال الاختيار البشري الذي تغذيه هجرات المسلمين وزحفهم على الحضارة الغربية، ها هو يحصل على عدو مثالي، المسلمين، وذريعة الدفاع عن الحضارة، ودور المخلّص.

بهذه الحمولة وصل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى قاعة الأمم المتحدة، خليط غير منسجم من "ليونيداسس" ملك إسبارطة وتشرشل رئيس وزراء بريطانيا، بينما في الإعلام الإسرائيلي يغرقون وهم يقلبون المقارنة بين اقتراح مؤسس الدولة بن غوريون و"أثينا" المنفتحة على العالم والتحالفات والتجارة والثقافة والفلسفة والفنون، واقتراح نتنياهو، إسبارطة الثكنة المغلقة على المقاتلين المختارين والسلاح، وجيش العبيد الذي يقوم بأعمال السخرة والزراعة والبناء وتنظيف ساحات التدريب.

لم تفلح حملة التسويق التي سبقت الخطاب، ولم يتمكن الخطاب من تجاوز التكرار وألاعيب البلاغة المتبعة، رغم النبرة المتعالية واستعراض الانتصارات فقد كان هناك الكثير من القلق والحذر ومؤجلات كثيرة، وبدا خالياً من تسونامي التهديدات التي سبقته، فقد خلا من إعلانات ضم الضفة أو أجزاء منها وسحق السلطة الفلسطينية وتقويضها... كان ببساطة خطاباً تائهاً تماماً بلا أفكار أو أفق، خطاباً وداعياً لشخص يعرف أن هذا سيكون وقوفه الأخير على منبر الأمم المتحدة، لا الحرب التي لا تنتهي ستمنحه ولاية جديدة، ولا استطلاعات الرأي تمنحه بصيص أمل.

في مواجهة القاعة شبه الفارغة في الأمم المتحدة، قرر نتنياهو الحصول على جمهور مختلف، عبر فرض خطابه على الفلسطينيين في غزة، كأي ديكتاتور مهووس أمر الجيش بتحريك مكبرات صوت عملاقة وزرعها في نقاط مدروسة بين دمار غزة وعلى دبابات الميركافا وجرافات الـ"دي 9"، لتبث خطابه مباشرة من نيويورك على المدينة المدمرة والشوارع المحطمة ومجاميع الجائعين. بلاغة من نوع توضيح لماذا نقتلكم ونحطم حياتكم، لماذا سنواصل قتلكم ودفعكم نحو الصحراء؟ رغبة الديكتاتور المريضة أن يسمع القتلى الذين لم يموتوا بعد صوته.

لا أحد يصدق أن الرهائن قد أنصتوا له.