.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
سقطت بورما -ميانمار حالياً- في يد البريطانيين في 1824، وفيتنام في يد الفرنسيين في 1858، لتليها جارتها كمبوديا في 1863، فوجدت مملكة سيام -تايلاند حالياً- نفسها محاصرة مثل قطعة اللحم في الشطيرة بين القوتين الاستعماريتين عن شرقها وغربها، وتعيّن على الملك شولالونغكورن، ملك سيام، أن يتصرف لحماية وطنه.
لم يكتف شولالونغكورن بالديبلوماسية والقوة الناعمة لاتقاء شرور بريطانيا وفرنسا، بل دفع كذلك بعجلة العصرنة السريعة في سيام ليزيدها منعة وحصانة: لقد حدّث الجيش، وأنشأ الكليات العسكرية، وشكّل قوة موحدة للشرطة، ووحّد النظام التعليمي، وحدّث القوانين والنظام القضائي، واستحدث وزارة للعدل، ودشّن مشاريع عملاقة لتطوير البنية التحتية، مثل إنشاء شبكة السكك الحديد.
ورغم كل ذلك، فمن اللافت أن بعض المؤرخين يعتبرون أحد أهم التدابير التي اتخذها شولالونغكورن للحفاظ على استقلالية سيام هو تحرير العبيد تحديداً.
لقد عرفت سيام العبودية على مر تاريخها، بل إن شولالونغكورن نفسه ورث العبيد وامتلكهم كما هي حال طبقتي الأمراء والنبلاء، إلا أن الرجل قرر القيام بسلسلة من الإصلاحات التدريجية بدءاً من 1874، والتي أدّت إلى تحرير جميع العبيد في البلاد بحلول 1915.
ذلك لأن شولالونغكورن كان "فاهم الطبخة" -كما نقول بالعامية-، وأدرك أن استمرار العبودية سوف يمثّل مدخلاً خبيثاً لفرنسا أو لبريطانيا لتعيث في بلده فساداً وتستعمره بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان، ومناصرة المظلوم. فكان صاحب المبادرة بعتق العبيد، وبإغلاق هذا الملف الشائك الذي لم يعد يستحق المخاطرة، وبالتالي قطع الطريق أمام المستعمرتين الأوروبيتين. وبالفعل، استطاعت سيام الحفاظ على استقلاليتها حتى يومنا هذا بينما تقاسمت بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا والبرتغال الدول الآسيوية القريبة مثل الكعكة.
إنه "فن" سد الذرائع حينما يجد المرء نفسه في مواجهة قوى استعمارية غاشمة طامعة متغطرسة متمكنة، ليرسم بذلك درب الخلاص لشعبه ووطنه. إنه فن كسر نصل أي سيف قد يرفعه الخصم في وجوهنا مستقبلاً، لتتيسر مساعينا في تجريده من سلاحه الحالي.
ولكن ليس لذلك الفن شعبية في بقعتنا الجغرافية الموبوءة، فسد الذرائع لا يعمّر أوهامنا وأحلام يقظتنا، ولا يتسامح مع عنادنا وتصلّب مواقفنا، وربما لذلك لن يخبرنا أحد عن شولالونغكورن، ونهجه الناجح جداً في مواجهة خطر الاستعمار، مثلما يذكّروننا بحرب فيتنام مثلاً.
عموماً، نحن مشغولون حالياً بالتطبيل والتهليل للعملية التي قام بها الأردني عبدالمطلب القيسي، سائق إحدى شاحنات الإغاثة لغزة، إذ فتح النار على "معبر الكرامة"، وأردى قتيلين من قوات الأمن الإسرائيلية. إننا نرقص ونوزع البقلاوة بعدما قدّمنا للاحتلال -وعلى طبق من ذهب- الذريعة المثالية لمنع دخول القليل جداً جداً جداً من المساعدات التي كانت تبلغ القطاع، فتُبقي على بصيص الحياة فيه. كما ترون، الفن الوحيد الذي نجيده هو "مد" الذرائع أمام المجزرة، وإطالتها بغبائنا وقصر نظرنا.
أما في القوم شولالونغكورن رشيد؟