.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
السياسة، في جوهرها، ميدان جاد يتطلب قرارات صعبة وخطابات دقيقة. لكن التاريخ يكشف أن بعض القادة امتلكوا سلاحاً آخر غير الكلمات الثقيلة والقرارات الحاسمة. هذا السلاح اسمه الفكاهة، باعتبارها ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتأثير، وبناء الصورة، والتواصل مع الجمهور.
في بريطانيا، يُستشهد كثيراً بذكاء ونستون تشرشل، رئيس الوزراء الشهير، وسرعة بديهته. ففي إحدى جلسات مجلس العموم، قالت له نائبة غاضبة: «لو كنتَ زوجي، لوضعتُ السم في قهوتك». فردّ فوراً: «ولو كنتِ زوجتي، لشربته». هي لحظة تختزل قدرة رجل الدولة على تحويل الهجوم إلى نكتة ذكية تعكس ثقة عالية بالنفس.
وفي الولايات المتحدة، أتقن رونالد ريغان ـ باعتباره ممثلاً سابقاًـ فن الدعابة السياسية. وعرف كيف يوظف حسه الكوميدي في خطاباته لصالحه. وما زال كثيرون يذكرون مناظرته الشهيرة مع منافسه والتر مونديل، الذي كان ذات يوم نائباً للرئيس جيمي كارتر، حين أثيرت مسألة كِبَر سنّه، فرد مبتسماً: «لن أجعل من عمر خصمي الصغير وقلة خبرته السياسية موضوعاً لهذه الحملة الانتخابية». ضحك الجميع، بمن فيهم مونديل نفسه، فحوّل ريغان نقطة ضعفه ـ أي كِبَر سنّه ـ إلى قوة تجلت في نكتة خدمت موقفه الانتخابي.
باراك أوباما اعتمد بدوره على حس الفكاهة، فقد قال ذات مرة: «أنجزتُ خلال ثماني سنوات في البيت الأبيض الكثير، أهمها أنني شيّبت شعري تماماً». جملة بسيطة لخصت ضغط المنصب، وأعطت الجمهور صورة أقرب إلى إنسان عادي منه إلى رئيس معزول في برجه العاجي.
وقبله، عُرف الرئيس جون كينيدي بروحه المرحة وقدرته على إطلاق النكات. ففي إحدى الحملات الانتخابية، وصفه خصومه بأنه «شاب قليل الخبرة». فرد قائلاً: «صحيح إنني شاب، لكن هذا عيب سأعالجه مع مرور الوقت». وحين كان يتحدث عن علاقته بالإعلام، قال مرةً: «إنني أقرأ صحيفتين يومياً. إذا كان هناك شيء جيد عني، أعرفه مرتين».
الشرق بدوره لم يخلُ من الطرافة السياسية، ذلك أن بوصلة الفكاهة لا تتجه إلى مكان واحد دون آخر. فجمال عبد الناصر، بخفة دم المصريين، استخدم النكتة حتى في القضايا الحساسة. فقد قال في خطاب شهير متداول على “يوتيوب”، رداً على دعوة الإخوان المسلمين لفرض الحجاب: «كل واحدة تمشي تلاقي واحد يقول لها غطّي شعرك! أنا عندي بنت، لو حد حاول يعمل كده معاها، أنا شخصياً هكسر له دماغه». فقهقهت الجماهير وصفقت بحرارة.
أما أنور السادات فقد اعترف صراحة بأن النكتة عنده «أسلوب حكم»، وكان يوظفها لتخفيف التوتر. ومن نوادره قوله لأحد الصحافيين المزعجين: «إنت جاي تسأل ولا جاي تتخانق؟ لو عايز تتخانق روح لنادي الملاكمة».
وفي عوالم السخرية والطرافة لا يمكن نسيان العقيد معمر القذافي وقفشاته الكثيرة. ففي قمة عربية خاطب نظراءه الذين غلبهم النعاس قائلاً: «أنتم تنامون وتتركونني وحيداً أتكلم. أشعر كأني أستاذ في فصل فيه تلاميذ نايمين». هي نكتة تحمل في طياتها انتقاداً، لكنها أجبرت بعض القادة على الاستيقاظ من غفوتهم.
هذه النماذج تبرز أن الدعابة أداة لبناء صورة القائد وتخفيف حدة السياسة. لكنها في الوقت نفسه سلاح ذو حدين. فإذا فُسّرت كاستخفاف أو إهانة، يمكن أن تقوض الثقة وتلحق الضرر بالزعيم. وما يضحك في بلد قد يُنظر إليه كإساءة في بلد آخر. مع العلم أن السياسي الجاد الذي يفرط في الدعابة قد يُتهم بعدم المسؤولية.
اليوم، مع سرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت النكتة السياسية تتجاوز قاعات البرلمانات والمناظرات لتصل في دقائق إلى ملايين الشباب. وكثير من الساسة يوظفونها كرسالة مبسطة وسريعة التأثير، قد تفوق في قوتها بياناً رسمياً مطولاً.
لذلك، لم تعد الفكاهة في السياسة مجرد ترف، بل أداة استراتيجية قد ترفع قائداً إلى قمة الشعبية، أو تفضحه أمام الملايين وتهوي به إلى الحضيض. والنجاح في هذا المجال يكمن في معرفة متى وكيف تُستخدم النكتة، بحيث تجمع بين الذكاء، والذوق، والطرافة، إلى جانب حسن التوقيت بطبيعة الحال.