.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
شهد جنوب لبنان مساء الخميس قصفاً إسرائيلياً عنيفاً يُعد من بين الأعنف منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. هذا القصف لا يُمثّل تطوراً جديداً في حد ذاته، بل يُجسّد تصعيداً متواصلاً في وتيرة الضربات التي تنفذها إسرائيل ضد مواقع تعتبرها مرتبطة بـ"حزب الله"، في إطار استراتيجية واضحة تهدف إلى تكريس واقع عسكري جديد في الجنوب، وحقائق سياسية في بيروت، بما يتجاوز الاعتبارات العسكرية التقليدية.
الرسالة الإسرائيلية من هذا التصعيد واضحة ومباشرة: لا تعتبر تل أبيب، على الرغم من كل ما يقوم به الجيش اللبناني والإشادات التي كانت تنهال عليه من كل حدب وصوب، طرفاً قادراً أو راغباً في تنفيذ مهمة نزع سلاح "حزب الله" وكانت قد سارعت إلى التشكيك في حياديته، من خلال نشر أخبار نفتها القيادة اللبنانية، عن ضباط يعملون فيه لمصلحة الحزب، ويزودونه بالمعلومات ويسربون له محاضر.
تجاوزت إسرائيل مسألة الثقة بالمؤسسة العسكرية، وقررت، في وقت مبكر، أن تتولى بنفسها مهمة "تنظيف" المنطقة الجنوبية القريبة منها أو المشرفة على مستوطناتها الشمالية.
وصعّدت إسرائيل من وتيرة عملياتها العسكرية والأمنية في الجنوب، منذ تسربت معلومات عن خطة الجيش اللبناني الهادفة إلى حصر السلاح بيد الدولة، إذ رأت فيها تراجعاً رسمياً لبنانياً عن قرار الخامس من آب/أغسطس.
ووفق معلومات تسربت من فريق المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي بدأت تشارك في اجتماعات "الميكانيزم"، أي اللجنة الخماسية المكلفة بمراقبة تنفيذ تفاهم وقف العمليات العدائية بين لبنان وإسرائيل، فإنّ الجيش الإسرائيلي مكلّف، ومن دون مراجعة القيادة السياسية، بمنع "حزب الله" من إعادة تكوين نفسه، مهما كلف الأمر.
وتعتقد إسرائيل أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة نادرة للقضاء على البنية العسكرية للحزب، ليس في الجنوب فقط، بل في كل لبنان أيضاً، خوفاً من أن تتغير الظروف وتُتاح له فرصة إعادة بناء قدراته.
من هذا المنطلق، يبدو أن إسرائيل اتخذت قراراً استراتيجياً لا رجعة فيه، يقوم على مبدأ "الضرب الاستباقي" لتفكيك التهديد قبل أن يعود.
وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل إلى فرض نموذج مشابه لما اعتمدته في سوريا: ضربات جوية متواصلة لا تتوقف إلا بعد التوصل إلى اتفاق استراتيجي يضمن لها أمناً حدودياً طويل الأمد، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في الدولة المعنية وتقلبات الزمن.
وتريد إسرائيل أن تحكم القواعد الاستراتيجية نفسها كلاً من لبنان وسوريا، لأنّها لم تعد تنظر بعيون مختلفة إلى جبهتها الشمالية الممتدة من الجنوب السوري إلى الجنوب اللبناني.
وما زاد من العدائية الإسرائيلية واندفاعها نحو تحقيق أهدافها، تمثل في تطور عسكري دفاعي كبير، من شأنه أن يبطل حتى مفاعيل "المعركة الأخيرة" إن فكّر فيها "حزب الله"، لإفراغ ما تبقى لديه من "درونز" وصواريخ نحو إسرائيل.
هذه الثقة نابعة من إدخال الجيش الإسرائيلي إلى منظومة قبته الحديدية "سلاح الليزر"، ما يمنحه قدرة شبه فورية على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبكلفة زهيدة جداً مقارنة بالكلفة المرتفعة لصواريخ جو-جو التقليدية.
في ظل هذا المشهد، تبدو الخيارات المتاحة أمام لبنان محدودة للغاية. فالدولة ضعيفة عسكرياً، ومؤسساتها السياسية تعاني من الانقسام، وبالتالي من الشلل الاستراتيجي. أما "حزب الله"، فقد خرج من المواجهة الأخيرة منهكاً. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل يُبنى على أساس ميزان القوى، ويؤدي إلى إنهاء الوجود العسكري للحزب في الجنوب، فإن إسرائيل لن تتوقف عن ضرباتها!
ما تفعله القيادة السورية برئاسة أحمد الشرع مع إسرائيل برعاية أميركية، تحوّل إلى لعنة لبنانية. وما يقوم به توم براك في سوريا يستحيل أن تقبل مورغان أورتاغوس بأقل منه!