أزمة سد النهضة... التقاعس ليس خياراً

كتاب النهار 18-09-2025 | 04:20
أزمة سد النهضة... التقاعس ليس خياراً
افتتاح سد النهضة لم يُنهِ النزاع، بل صعّد الرهانات. إثيوبيا تحتفل بـ"الحلم الوطني"، بينما ترى فيه مصر تهديداً مباشراً لبقائها، والسودان يقف بين احتمالات الفائدة ومخاطر الانهيار... 
أزمة سد النهضة... التقاعس ليس خياراً
صورة جوية لنهر النيل أثناء مروره عند محافظة القاهرة (أ ف ب)
Smaller Bigger

رغم استمرار الحديث والتمني بأن تسود البراغماتية، وتدرك إثيوبيا أن توقيع اتفاقيات ووثائق دولية ملزمة هو الطريق الوحيدة لضمان استمرار تدفّق المياه إلى دولتَي المصب، مصر والسودان، وفق حصصهما التاريخية، يبقى الواقع مقلقاً: إما أن تلتزم أديس أبابا بالمسار القانوني، وإما أن التصعيد سيكون الخيار المرّ.

ففي التاسع من أيلول/سبتمبر الجاري، أعلنت إثيوبيا افتتاح سد النهضة رسمياً، وسط احتفالات ضخمة وصف خلالها رئيس الوزراء آبي أحمد تدشين السدّ بأنه "إنجاز تاريخي". لكن ما اعتبرته أديس أبابا لحظة فخر وذروة لمشروع تنمويّ استغرق أربعة عشر عاماً، تراه القاهرة تهديداً وجودياً يمس شريان الحياة لمئة وعشرة ملايين مواطن. وبين خطاب النصر الإثيوبي وصوت التحذير المصري، تتجدّد الأزمة العابرة للحدود، مثقلة بتاريخ من الشكوك، ومفتوحة على خيارات كلها صعبة.

منذ البداية، لم تُخفِ مصر قلقها. فهي دولة تعتمد بنسبة 98 % على مياه النيل، وتعيش بالفعل تحت خط الفقر المائي وفق المعايير الدولية، بحصة سنوية قديمة تبلغ 55.5 مليار متر مكعب لا تكفي احتياجاتها. ثم جاء سد النهضة بسعته البالغة 74 مليار متر مكعب ليضاعف المخاوف من أن تتحكم إثيوبيا منفردة بتدفقات النيل الأزرق، خاصة في سنوات الجفاف، بما قد يقود إلى شحّ كارثيّ يضرب الزراعة والاقتصاد والحياة اليومية. السودان بدوره، برغم أزماته الداخلية، لا يخفي قلقه على سدوده ومحطاته المائية، وعلى رأسها سد الروصيرص، إذا غابت الشفافية والتنسيق.

إثيوبيا، في المقابل، تتمسك بسرديتها: سدّ كهرومائي لا يستهلك المياه بل يؤجّل مرورها، ومشروع سيادي لا مساومة عليه. وتؤكد أن هدفه التنمية وانتشال الملايين من الفقر عبر الكهرباء، متهمة القاهرة بالتمسك بـ"احتكار مائي" قائم على معاهدات استعمارية قديمة. وبين سردية "الأمن المائي" لمصر وسردية "الحق في التنمية" لإثيوبيا، فشلت جولات التفاوض طوال عقد كامل.

افتتاح السد فجّر جولة جديدة من المواجهة الديبلوماسية. ففي اليوم نفسه، وجّهت مصر خطاباً شديد اللهجة إلى مجلس الأمن، اعتبرت فيه التشغيل الأحادي للسدّ انتهاكاً للقانون الدولي وخرقاً لإعلان المبادئ لعام 2015، مؤكدة أنها "لن تعترف أو تقبل" بأي أمر واقع يهدد مصالحها الوجودية. السودان انضم ببيان مشترك مع القاهرة للتحذير من تهديد الاستقرار في حوض النيل الشرقي. أما أديس أبابا، فردّت برسالة اعتبرت الافتتاح "انتصاراً وطنياً"، واتهمت مصر بالعرقلة والتشبث بعقلية استعمارية ومحاولة زعزعة استقرار القرن الأفريقي.

ردود الفعل الدولية جاءت باهتة: دعوات إلى ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، من دون ضغوط فعلية على إثيوبيا. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين شدّدوا على ضرورة الحلّ التوافقي، لكنهم تجنبوا تبني موقف واضح. وحدها الجامعة العربية خرجت ببيان قوي يرفض الإجراءات الأحادية، ويدعم مطالب مصر والسودان. في المقابل، أظهر المشهد الأفريقي انقساماً، حيث حضر عدد من القادة افتتاح السد، في رسالة ضمنية بدعم حق إثيوبيا في التنمية.

إذن، ما الآتي؟ السيناريو المثالي لمصر والسودان هو اتفاق ملزم يحدد قواعد واضحة لملء السد وتشغيله، ويضمن التدفقات المائية في أوقات الجفاف. لكنه سيناريو يتطلب مرونة إثيوبية وتنازلات متبادلة، وهو ما لا تبدو أديس أبابا مستعدة له.

الأرجح استمرار الجمود. إثيوبيا تدير السد منفردة، بينما تواصل مصر والسودان معاركهما الديبلوماسية من دون أدوات ضغط كافية. بالنسبة لمصر، هذا يعني العيش في ظل حالة دائمة من عدم اليقين: في سنوات الفيضان قد تمر الأزمة بسلام، لكن في سنوات الجفاف ستصبح المياه رهناً بقرار إثيوبي أحادي. وهو ما يدفع القاهرة إلى تسريع مشروعات التحلية وإعادة التدوير، لكنها تظل حلولاً مكلفة وناقصة أمام المصدر الوحيد: النيل.

الخيار المرّ هو التصعيد؛ فمصر لا تخفي أن النيل خط أحمر، ولوّحت مراراً بأن جميع الخيارات مفتوحة للدفاع عن أمنها المائي، وإن كان العمل العسكري محفوفاً بالمخاطر. الرسالة المصرية واضحة: الصبر ليس بلا نهاية، وأي تصور بأن القاهرة ستتساهل في حقوقها المائية وهم خطير. السودان، رغم أزماته، سيجد نفسه في صف مصر إن تصاعد الموقف.

مع ذلك، يظلّ هناك أفق للتعاون إذا وافقت إثيوبيا على إدارة السد بمشاركة الأطراف وبشفافية. هنا يمكن أن يتحول إلى مشروع تكاملي ينظم الفيضانات ويخزن المياه لأوقات الجفاف، مع تبادل للكهرباء والمصالح. لكن هذا السيناريو يظلّ بعيد المنال، وقد يفرضه المستقبل بفعل ضغوط التغير المناخي. أما الخطر الأكبر فهو أن يكون سدّ النهضة مجرد البداية لموجة جديدة من السدود الإثيوبية، وهو ما يجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر إلحاحاً.

افتتاح السد لم يُنهِ النزاع، بل صعّد الرهانات. إثيوبيا تحتفل بـ"الحلم الوطني"، بينما ترى فيه مصر تهديداً مباشراً لبقائها، والسودان يقف بين احتمالات الفائدة ومخاطر الانهيار. ومع تصلّب المواقف وغياب الثقة، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة: تسوية سلمية، صراع بارد متجدد، أو مواجهة مباشرة. لكن المؤكد أن مصر تعتبر النيل قضية بقاء، وأن التقاعس ليس خياراً.