المشروع السعودي - الفرنسي وإعادة تعريف الشرعية الدولية لفلسطين

كتاب النهار 15-09-2025 | 05:15
المشروع السعودي - الفرنسي وإعادة تعريف الشرعية الدولية لفلسطين
 هذه النتيجة لم تكن مجرد انتصار ديبلوماسي رمزي لحقوق الشعب الفلسطيني، بزخم من "المؤتمر الدولي الرفيع المستوى للتسوية السلمية لقضية فلسطين وحل الدولتين"، بل لحظة تاريخية تعكس تبلور إرادة أممية واضحة تعيد الاعتبار الى حل الدولتين
المشروع السعودي - الفرنسي وإعادة تعريف الشرعية الدولية لفلسطين
لحظة تاريخية تعكس تبلور إرادة أممية واضحة تعيد الاعتبار لحل الدولتين. (أ ف ب)
Smaller Bigger

أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري، بغالبية  ساحقة بلغت 142 دولة مشروع "إعلان نيويورك" الذي تقدمت به السعودية وفرنسا، في مقابل رفض عشر دول وامتناع اثنتي عشرة أخرى.

هذه النتيجة لم تكن مجرد انتصار ديبلوماسي رمزي لحقوق الشعب الفلسطيني، بزخم من "المؤتمر الدولي الرفيع المستوى للتسوية السلمية لقضية فلسطين وحل الدولتين"، بل لحظة تاريخية تعكس تبلور إرادة أممية واضحة تعيد الاعتبار الى حل الدولتين، وتضع الأساس القانوني والسياسي لاعتراف أوسع بالدولة الفلسطينية، تمهيداً للقمة التي ستعقد في 22 من الجاري، ضمن أعمال الدورة السنوية الـ80 للجمعية العامة في نيويورك.

المشروع حمل في طياته عناصر تنفيذية دقيقة، إذ نص على إنهاء سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، وتسليم السلاح للسلطة الفلسطينية، والإفراج عن الرهائن، بما يعكس توجهاً نحو صوغ تسوية قابلة للتطبيق.

السعودية عززت هذا المسار بخطاب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أمام "مجلس الشورى"، حين أكد أن "أرض غزة فلسطينية، وحق أهلها ثابت لا ينتزعه عدوان ولا تلغيه تهديدات"، في إشارة إلى أن الرياض ترى في الحقوق الفلسطينية جزءاً من استقرار النظام الإقليمي بأسره. أما فرنسا فاعتبرت أن الإعلان يقدم "خارطة طريق واحدة لتفعيل حل الدولتين"، ما يعكس رغبة باريس في استعادة دورها التاريخي في الشرق الأوسط عبر شراكة متوازنة مع الرياض.

الخطوة التالية لتحقيق مستهدفات "المشروع" يجب أن تنطلق من تحويل الزخم الأممي إلى مسار سياسي ملزم. وهذا يقتضي أولاً، دفع الملف نحو "مجلس الأمن" مع العمل بروية وحكمة على تحييد الاعتراض الأميركي، أو تقليص تكلفته عبر مقايضات استراتيجية واقتصادية مع الحلفاء الغربيين. ثانياً، تفعيل المسار القانوني عبر المحاكم الدولية لتثبيت مبدأ المساءلة على الانتهاكات الإسرائيلية، بما يمنح القرار الأممي بعداً إلزامياً يحد من محاولات الالتفاف عليه. ثالثاً، إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية كي تصبح قادرة على إدارة مؤسسات دولة فعلية، مع توحيد المرجعية السياسية والأمنية تحت مظلة واحدة، وهو شرط حاسم لأي عملية تفاوضية ذات صدقية.

غير أن العقبات متعددة، فالحكومة الإسرائيلية اليمينية تنظر الى أي اعتراف بالدولة الفلسطينية كتهديد وجودي، وهي مدعومة بقاعدة داخلية تميل نحو مزيد من الاستيطان والتشدد. الولايات المتحدة، هي الأخرى، رفضت المشروع ووصفت مبعوثتها القرار بأنه "خطوة دعائية مضللة وفي توقيت غير مناسب"، ما يعني أن واشنطن ما زالت تتمسك بنهج التفاوض المباشر من دون قرارات جماعية ملزمة، وهو ما يتناقض مع اتجاه المجتمع الدولي!

في هذا السياق، يصبح إقناع واشنطن بمراجعة موقفها أمراً ضرورياً. فالسلام ليس مصلحة فلسطينية أو عربية فقط، بل يمثل ركيزة لاستقرار الشرق الأوسط الذي يعني للولايات المتحدة اقتصادياً وأمنياً. استمرار السياسات الإسرائيلية المتطرفة لا يقوض حقوق الفلسطينيين وحسب، بل يغذي خطاب الكراهية والتطرف، وهو ما يتناقض مع مصالح واشنطن الاستراتيجية، خصوصاً مع وجود حلفاء رئيسيين لها مثل السعودية ودول الخليج العربي، مما قد يدفع البيت الأبيض إلى نقاش الموضوع بشكلٍ أكثر جدية بما يحقق أمن المنطقة وتنميتها وسلامها الدائم.

القرار الأممي الأخير يعيد تعريف قواعد "الديبلوماسية" في الشرق الأوسط. فهو يكشف حدود القدرة الإسرائيلية على مقاومة الضغوط الدولية، ويبرز أنه لم يعد مقبولاً استمرار الاحتلال من دون أفق سياسي. الأهم أنه يفتح نافذة لإعادة صوغ التحالفات الكبرى، بحيث تنتقل المبادرة من المراوحة النظرية إلى آلية تنفيذية تفصيلية، تجعل من الاعتراف بالدولة الفلسطينية استحقاقاً واقعاً.