حكمة التروّي الاستراتيجي الخليجي وفجور التهوَّر الإسرائيلي بعد الدوحة

كتاب النهار 14-09-2025 | 06:00
حكمة التروّي الاستراتيجي الخليجي وفجور التهوَّر الإسرائيلي بعد الدوحة
تصرفت قطر والدول الخليجية العربية الأخرى بحكمة التهدئة والاحتواء لتطويق تداعيات الهجوم الإسرائيلي على سيادة قطر، مستهدفة قيادة حركة "حماس" المتواجدة في الدوحة برسالة تخويف وتنبيه لدول الخليج عنوانها: إن إسرائيل ستلاحق المنظمات المتطرفة أينما كان، ولن تغض النظر عن استضافة قياداتها، وأن الهدف الإسرائيلي هو إلغاء الشريك الفلسطيني في أي مفاوضات...
حكمة التروّي الاستراتيجي الخليجي وفجور التهوَّر الإسرائيلي بعد الدوحة
الذين يراهنون على انتهاء استبداد نتنياهو إنما يراهنون على الحلم. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تصرفت قطر والدول الخليجية العربية الأخرى بحكمة التهدئة والاحتواء لتطويق تداعيات الهجوم الإسرائيلي على سيادة قطر، مستهدفة قيادة حركة "حماس" المتواجدة في الدوحة برسالة تخويف وتنبيه لدول الخليج عنوانها: إن إسرائيل ستلاحق المنظمات المتطرفة أينما كان ولن تغض النظر عن استضافة قياداتها، وأن الهدف الإسرائيلي هو إلغاء الشريك الفلسطيني في أي مفاوضات سواء كانت لوقف النار أو لتسوية أشمل وبالذات تلك التي تقوم على أساس حل الدولتين.

حشدت قطر الإدانات العربية والدولية للفجور الإسرائيلي، وحرصت في الوقت ذاته على حماية مصالحها الأمنية مع الولايات المتحدة، رغم التوافق الاستراتيجي بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وبين حكومة بنيامين نتانياهو أولاً، على مبدأ القضاء على "حماس" باعتبارها حركة إرهابية، وثانياً، على استبعاد قيام دولة فلسطينية، وثالثاً، على الانتقام المشترك من الاندفاع العالمي نحو الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة بإجراءات ضد السلطة الفلسطينية وعبر تعزيز الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. تكتيكياً، لعل هناك امتعاضاً أميركياً من مستوى العربدة الإسرائيلية في غزة وتوسعها إلى الدوحة. إستراتيجياً، كلاهما وكيل للآخر، وكل منهما أداة في القرار الاستراتيجي للدولتين. وهنا تكمن معضلة الدول الخليجية.

الرئيس دونالد ترامب تملّص من الفشل وليس من الهدف، عندما تملّص من العمليات الإسرائيلية داخل دولة صديقة للولايات المتحدة. فلو نجحت إسرائيل في القضاء على قيادات "حماس" المتواجدة في قطر، لقام ترامب بتهنئتها على ذلك الإنجاز. أما وأن العملية فشلت، فلم يكن ترامب في حاجة للتصفيق لها - فهو يكره الفشل- ولم يكن من الضروري له إدانتها، علماً أنه هو من سبق أن أعطى إسرائيل دعماً مطلقاً في ملاحقة "حماس" وتدمير قياداتها وبنيتها التحتية.


وجود قيادات "حماس" في تركيا الحليفة لأميركا في حلف الناتو، سبّب بعض القلق لفريق ترامب الذي يدرك مدى التقارب اليوم بين الرئيس الأميركي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. إسرائيل تعي أبعاد تلك العلاقة الشخصية كما الأهمية التي توليها إدارة ترامب للدور التركي في سوريا. فقررت عدم استهداف قيادات "حماس" المتواجدة في تركيا.

وجدت إسرائيل أن في وسعها إبلاغ قطر أن الوقت حان للكف عن استضافة "حماس" ودعمها فيما تقوم الدوحة بدور الوساطة بين "حماس" وبين إسرائيل في عملية طالت وازدادت تعقيداً.

استنتجت إسرائيل أن دونالد ترامب سئم جولات المفاوضات التي قامت بوساطة قطرية ومصرية بين "حماس" وإسرائيل، وأنه بات جاهزاً لإبلاغ الوسيطين القطري والمصري أنه فقد الصبر وحان الوقت للحسم.

قررت إسرائيل قطع الطريق على مسألتين: الوساطة والاستضافة. بعثت برسالة استعلائية وعنجهية الى قطر ورسالة تنبيهية إلى مصر والدول الخليجية العربية وكذلك إلى تركيا: لا ملاذ آمناً لـ"حماس" وقياداتها. لا جدوى من المفاوضات التي تسترضي "حماس". لا تساهل مع الاندفاع لرفع راية السلطة الفلسطينية لا في غزة ولا في الضفة الغربية ولا في المحافل الدولية.

صمت الرئيس الأميركي عن تكرار إسرائيل توعدها لقطر ولأي دولة تستضيف "حماس"، إنما هو مؤشر على التوافق الاستراتيجي مع إسرائيل ودرع الحماية لها من المحاسبة على فجورها أينما كان وكيفما كان. لذلك لم ترض إدارة ترامب إدانة إسرائيل حتى فيما كانت تسرّب أخبار امتعاض ترامب من تصرفاتها.

الرسالة الأساسية التي تعمّدت إدارة ترامب إبلاغها إلى قطر كانت بشقين: نعم لاستمرار العلاقات الأمنية المميزة باستضافة قطر لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في الخليج كما بتفاهمات أمنية مشتركة. ولا لاستمرار الدوحة في استضافة القيادات السياسية أو الأمنية لحركة "حماس" أو لأيّ تنظيمات تعتبرها واشنطن متطرفة. لا للتطرف في الدوحة ولا للتطرف في غزة الذي اعتادت عليه هذه القيادات. الدوحة استمعت بإصغاء، وأخذت علماً بحكمة.

فهناك إدراك خليجي للفارق الأساسي بين علاقات الصداقة والشراكة الأمنية والاستراتيجية بين دول الخليج العربية وبين الولايات المتحدة، وبين العلاقة التحالفية العضوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. تدرك الدول الخليجية أن لا مجال للتنافس مع إسرائيل عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الأميركية مع دول منطقة الشرق الأوسط برمتها.

تقر قيادات الدول الخليجية أيضاً أن أولوياتها اليوم ليست تصعيدية ولا هي عقائدية أو قومية عربية بالمفهوم القديم، وإنما الأولويات الاستراتيجية الخليجية هي للأمن الداخلي وللتنمية الوطنية. ليست هناك رغبة أو استعداد خليجي للمواجهة مع الولايات المتحدة أو مع إسرائيل، عسكرياً أو اقتصادياً، لا استراتيجياً ولا تكتيكياً.

ديبلوماسياً، تبذل الدول الخليجية جهداً كبيراً من أجل حشد المعارضة الدولية، لتطاول إسرائيل الوقح على القوانين الدولية والإنسانية بإجراءات إبادية وتجويع واستيطان غير شرعي وتهجير قسري لأهالي غزة والضفة الغربية من أجل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى التوراتي. العرقلة أمام كل هذا الجهد الديبلوماسي ليست فقط إسرائيل وإنما السياسات الأميركية الداعمة لها كلياً.

السؤال الذي يطرح تكراراً هو من يستخدم من؟ أهي أميركا التي تستخدم إسرائيل وكيلاً لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وهي بالذات اليوم أهداف القضاء على التطرف الإسلامي الذي يتمثل بإيران وأذرعها من جهة، وبالإخوان المسلمين، من جهة أخرى؟ أم أن إسرائيل تستغل أميركا ترامب اليوم لتنفيذ مشاريع الاستيلاء على غزة والضفة الغربية عبر سياسات الطرد القسري والتهجير الجماعي ربما بما يطاول لاحقاً أيضاً الفلسطينيين داخل إسرائيل من أجل معالجة ما تسمى القنبلة الديموغرافية؟

إذا جاز الاختصار في الإجابة على هذا السؤال، فإن الإثنين يستخدمان بعضهما لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة عندما يتعلق الأمر بالتطرف الإسلامي، الشيعي والسنّي، كما ينظران إليه اليوم. أي ضرورة نسف الأذرع الإيرانية مثل "حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن وتقليم أظافر الحشد الشعبي في العراق، وضرورة خنق جماعة الإخوان المسلمين بدءاً بتدمير "حماس" في غزة ثم تطويق الجماعات المتطرفة من الإخوان المسلمين بسبل مختلفة في سوريا وقطر وتركيا، وكذلك في مصر والأردن لقطع الطريق على طموحاتهم هناك.

المفارقة هي في الوسائل الأميركية والإسرائيلية إذ أن إدارة ترامب تضع يدها في يد تركيا بالذات في سوريا ظنّاً منها أن هذه أفضل وسيلة لاحتواء طموحات الإخوان المسلمين وللجم تطرّف العشائر والجماعات التي انتمت إلى "القاعدة" و"جبهة النصرة" التي سبق أن انتمى إليها الرئيس أحمد الشرع. أما إسرائيل، فإن هدفها هو تصدير جماعة الإخوان من الضفة الغربية إلى الأردن لزعزعة استقراره، وإلى مصر من أجل زعزعة الحكم هناك.

القواسم المشتركة بين الأهداف الأميركية والإسرائيلية أعمق وأوسع من المفارقة، وعليه إن معادلة الأمر الواقع تقتضي أن تقوم إسرائيل بتنفيذ الاستراتيجية المشتركة لأنها أكثر استعداداً لخوض المعركة والحرب معاً. فالولايات المتحدة غير مستعدة لخوض الحروب بجنودها، ولذلك ترحب بإيكال مهمات الحروب إلى إسرائيل وتموّلها وتقدم لها عسكرياً الدعم الكامل بلا حدود، إنما بلا جنود.

ماذا يعني كل ذلك للعلاقة الأميركية- الخليجية في أعقاب العدوان الإسرائيلي على السيادة القطرية؟ يعني إعادة خلط الأوراق. يعني إعادة النظر. بالتأكيد، إن فشل العملية العسكرية التي استهدفت قادة "حماس" في قطر سبّب نكسة للغرور الإسرائيلي، لكنه لم يسفر عن اهتزاز في صلب الغايات الاستراتيجية الحالية لكل من إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.

لن تغيّر إسرائيل سياساتها لا نحو "حماس" ومستقبل غزة، ولا نحو السلطة الفلسطينية ومستقبل الضفة الغربية. فهي عقدت العزم على إلغاء الشريك الفلسطيني للمفاوضات، وعقدت العزم على محو مقولة حل الدولتين بدعم رهيب في الأوساط الأميركية، وبدأت بإجراءات الانتقام من الإصرار الدولي على الاعتراف بدولة فلسطين الأسبوع المقبل.

الذين يراهنون على انتهاء استبداد بنيامين نتنياهو وعلى انتخابات في إسرائيل تؤدّي إلى تراجعها عن تعنتها برفض حل الدولتين إنما يراهنون على الحلم وليس على الواقعية. إن إسرائيل هي التي تريد ما يعتمره نتنياهو من تطرّف قاطع. نعم، هناك احتجاج على استعداده للتضحية بالرهائن، إنما هناك أيضاً اليوم دعم لما يسمى مبدأ هنيبعل الذي يقضي بأولوية الأمن القومي حتى وإن أدى إلى التضحية بالرهائن. فإسرائيل شعباً وحكومة تكره كل ما فعلته "حماس" وهي جاهزة للانتقام من كل فلسطيني، أينما كان.

ليس نتنياهو وحده من يعارض حل الدولتين والدولة الفلسطينية، بل إسرائيل بمعظمها، ووراءها حشد من صناع القرار الأميركيين. صحيح أن هناك موجة عارمة من الغضب والكراهية في الرأي العام العالمي مما تمثله إسرائيل اليوم. إنما العواطف لا توقف جرافات الاستيطان ولا سلاح المجاعة.

رغم كل هذا، إن القيمة المعنوية والسياسية لحشد الدعم الدولي وراء الاعتراف بدولة فلسطين لا خلاف عليها، بل تستحق كل التقدير والتشجيع على المثابرة. إنما حذار الانتقام. انتقام إسرائيل على الأرض، وانتقام إدارة ترامب من التظاهرة في الأمم المتحدة عبر تكثيف دعمها على الأرض لإسرائيل. وكما الدول العربية مكبّلة الأيادي لأنها ليست مستعدة ولا هي جاهزة لخوض حرب مع إسرائيل لإيقافها عن الفجور والعربدة، كذلك الدول الأوروبية ليست مستعدة للمغامرة  خصوصاً أنها غير جاهزة لمواجهة اضافية مع إدارة ترامب.

لذلك، التروّي والحكمة ضروريان فقط لأن خيار التهوّر غير متاح. والحكمة تقتضي فرزاً واقعياً وجريئاً للتحديات والتفكير خارج الصندوق في كيفية وقف النزيف الفلسطيني وإيقاف الفجور الإسرائيلي بعيداً من التذاكي والمهاترات.