قتل الشاهد

كتاب النهار 07-09-2025 | 06:07
قتل الشاهد
المراسلون الذين جاؤوا بالعالم إلى غزة وجنين، كمن يقوده من يده ليلمس أجساد القتلى وعظامهم التي نحتها الجوع... يسقطون واحداً واحداً.
قتل الشاهد
الشهود يسقطون الواحد تلو الآخر (أ ف ب)
Smaller Bigger

الفكرة كانت دائماً قتل الشهود، وتقديم رواية بديلة معدة عبر قنوات مدروسة ومتفق معها وعليها لآخرين، غالباً لم يشهدوا الواقعة، ولكنهم مهيئين لتلقي الرواية التي تشبه سرديتهم ومخيلتهم، هكذا تصبح الرواية البديلة روايتهم، والحقيقة الوحيدة التي يمكن تقديمها من دون عناء وبكثير من الرضا.

تقريباً هذا ما فعلته إسرائيل بنجاح عبر أكثر من سبعة عقود من الصراع مع الفلسطينيين والإقليم.

لا أحد سيصغي للرواية الأخرى التي جرى تشويه رواتها، ودفنهم تحت خليط من الثقافة الاستشراقية والفكر الديني الغيبي ونزعة التفوق، هكذا سيلتقي التبشير الاستشراقي مع التيار الصهيوني في الكنيسة، وسيزدحم المشهد بقساوسة مثل هكابي، السفير الأميركي لدى تل أبيب، ووزير خارجيته روبيو وحاخامات مثل السفير السابق في دورة حكم ترامب الأولى ديفيد فريدمان ومقولات تشرشل... في تشكيل صورة الفلسطيني/ العربي في المخيلة الغربية، في الجانب الآخر كانت تتشكل أسطورة إسرائيل ومعجزاتها وتفردها في كل ما يشبه "النموذج الأبيض" ويجعلها امتداداً لصورة الغرب عن نفسه؛ الديموقراطية والتقدم التقني ونمط الحياة والمنظومة القضائية والأخلاقية...

بهذه العدة بدأ نتنياهو حربه الأخيرة على غزة، "حرب الحضارة في مواجهة البربرية"، قدم نفسه مدافعاً عن الحضارة البيضاء للعالم العلماني، وصاحب مهمة رسولية للتيارات الغالبة في اليمين الديني اليهودي الصهيوني وامتداداته في الكنيسة الإنجيلية، وضحية تطاردها معاداة السامية، في احتكار مستبد لمقعد الضحية والعرق السامي.

الصورة في المشهد الآخر كانت لأدوارد سعيد الفلسطيني وهو يعكف بدأب الفيلسوف على تفكيك ثقافة الاستشراق، المصدر والمتكأ الأساس لاستعمار المشرق وشرعنة إسرائيل وتحويل الاستعباد إلى فكرة حضارية، ومحمود درويش وهو يواصل بناء الرواية الأخرى المسكوت عنها، وبعث صوت طروادة في مواجهة غطرسة أثينا وآلهتها.

كان كل شيء معداً ومختبراً مرات عديدة، لقد جرى تبييض "النكبة" وتحويل مأساة الفلسطينيين إلى نشوء معجزة اسمها إسرائيل، والاحتلال إلى إدارة مدنية والفصل العنصري إلى "حق الدفاع عن النفس".

كل شيء كان جاهزاً؛ سلاح الجو، ألوية النخبة، مئات جرافات دي9، قطع البحرية، أسراب الميركافا، حملة إعلامية هائلة تتضمن أدلة على بربرية الفلسطينيين... كل شيء، كل ما يضمن حرباً نظيفة بطولية تضاف إلى أوسمة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم الذي يخدم الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

في حرب الإبادة على غزة والاستيلاء على الضفة لم يكن محسوباً بشكل دقيق دور الصحافيين الفلسطينيين. تركزت الفكرة على إخراج الصحافة الأجنبية من الداخل وإغلاق البوابات، وتصفية الأكثر تأثيراً وبث الخوف في مجاميعهم عبر استهداف عائلاتهم. حدث هذا في جنوب لبنان أيضاً، كانت الفكرة واضحة منذ البداية، وكانت تعمل بشكل جيد منذ ما قبل اغتيال المراسلة شيرين أبو عاقلة في جنين شمال الضفة الغربية ونسف غسان كنفاني في بيروت عام 1972.

لقد أفسد "المراسلون" الأمر تماماً. المراسلون الذين لم يحسب حسابهم كما ينبغي، ولم يؤخذوا على مأخذ الجد كما اتضح في ما بعد، والذين تخوض "الإمبراطورية" حفلة صيد دموية وهي تلاحقهم في شوارع غزة ومهاجع نومهم، الذين كان من آخرهم أنس الشريف ومريم أبو دقة ومحمد قريقع، يصعب تعداد أسمائهم التي تجاوزت الـ240 اسماً.

شبان صغار في معظمهم، بخبرات قليلة ومن دون حماية يسعون على الأرض، خارج الكتب وخارج النظريات، يتتبعون الدورية التي قتلت الفتى على حاجز طيار، والطائرة التي حطمت البرج في شاطئ غزة، والطفلة التي خرجت وحيدة من الحريق... هم الرواة الحقيقيون، وهم الشعراء على نحو ما.

المراسلون الفلسطينيون الشباب الصغار هم الذين استكملوا رحلة ادوارد سعيد ومحمود درويش وغسان كنفاني. تعلقوا بالغيمة وأنزلوها على الأرض. الغيمة كاملة بقصائدها وأفكارها وجدلها وركضوا بها في شوارع غزة وفي أزقة بيوتها المحطمة. الذين يشبهون أصواتهم؛ النبرة ومخارج النطق، الحماسة التي يأتي بها الخوف والتهدج الذي تأتي به الفجيعة، بحيث تصبح النهايات التراجيدية لمصائر الناس هناك جزءاً من مصائرنا الشخصية، لا يأتون بالمكان إلى الصالة بقدر ما يأخذون كل شيء إليهم وهم يشيرون إلى المقتلة.

المراسلون الذين جاؤوا بالعالم إلى غزة وجنين، كمن يقوده من يده ليلمس أجساد القتلى وعظامهم التي نحتها الجوع، ووجوههم المتسائلة أمام عنف الموت، ليحفر بأصابعه في أكوام الخرسانة والحديد بحثاً عن الأحياء.

هذا ما يفعله المراسلون يمنحوننا حق أن نكون للحظة أهلهم تحت الركام. لقد تجاوزوا منذ اليوم الثاني للمقتلة أن يكونوا شهوداً، ذهبوا أبعد من ذلك، تجاوزوا، من دون قصد، ثرثرة السياسيين والناطقين الثقلاء باسم الأطراف، بلا رطانة يقولون الأشياء، وبلا بلاغة يسقطون واحداً واحداً.