من الميدان إلى الرأي العام: إسرائيل تترنّح أمام سردية غزة!

كتاب النهار 06-09-2025 | 06:06
من الميدان إلى الرأي العام: إسرائيل تترنّح أمام سردية غزة!
إسرائيل تحقق أهدافاً عسكرية موضعية، لكنها تتكبد خسائر استراتيجية كبرى في معركة الرأي العام. مقتل أبو عبيدة لم يبدّل هذه المعادلة، بل أكدها: إسرائيل تنتقم من صوت أفقدها السيطرة على السردية، لكنها لم تستعد موقعها الدولي. 
من الميدان إلى الرأي العام: إسرائيل تترنّح أمام سردية غزة!
معركة مفتوحة على جبهة السردية والرأي العام الدولي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد القتال بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية محصوراً بالصواريخ والعمليات الميدانية، بل صار معركة مفتوحة على جبهة أخرى لا تقل خطورة: جبهة السردية والرأي العام الدولي. وفي هذا الميدان، تبدو إسرائيل، وفق اعترافات بعض قادتها وحلفائها، في موقع الخاسر.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، سعت إسرائيل إلى تقديم نفسها دولة تخوض حرباً دفاعية ضد "الإرهاب". لكن صور الدمار، وأرقام القتلى المدنيين، والمشاهد المتكرّرة للمجازر في المخيمات والمستشفيات، سرعان ما جعلت العالم ينظر إلى غزة ليس كميدان مواجهة عسكرية، بل كـ "مسرح جريمة" تُرتكب فصوله على الهواء مباشرة. هذا التحوّل في الانطباعات العالمية، مدعوماً بانتشار غير مسبوق لوسائل التواصل الاجتماعي، أسقط الرواية الإسرائيلية التقليدية وسمح لسردية فلسطينية أكثر تأثيراً بالهيمنة على الفضاء الدولي.

في هذا السياق، يمكن قراءة إعلان إسرائيل اغتيال أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم "حماس". فبينما أرادت تل أبيب أن تُسجّل "إنجازاً" يرفع معنويات جمهورها الداخلي، بدا الأمر، على المستوى الدولي، كأنه ردّ انتقامي على خسارة معركة السردية أكثر مما هو إنجاز عسكري يُحسب في خانة التفوّق. إذ إن الرجل تحوّل، عبر خطابه الإعلامي الموجّه، إلى أحد أبرز وجوه "المعركة الكلامية" التي كسرت صورة إسرائيل في الخارج.

حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بانحيازه التاريخي لإسرائيل، لم يتردّد في القول إن “إسرائيل تربح الحرب لكنها تخسر في العلاقات العامة”. هذا الاعتراف، وإن جاء من خارج الإدارة الأميركية الحالية، يشكّل إشارة خطيرة إلى حجم التراجع في صورة الدولة العبرية في الغرب. فحين يخسر الطرف الأقوى قدرته على التحكم بالرواية، تتغيّر قواعد اللعبة كلها.

ومع اتساع رقعة الانتقادات الدولية، ظهرت في إسرائيل دعوات متزايدة إلى تأسيس جهاز دعائي جديد تكون مهمته محصورة بالردّ السريع على السرديات المناهضة وتقديم رواية مضادة قادرة على استمالة الرأي العام العالمي. الفكرة، التي يجري تداولها في الأوساط السياسية والإعلامية، تعكس اقتناعاً متنامياً بأن أدوات الديبلوماسية التقليدية والبيانات العسكرية لم تعد كافية. فما تروّجه صور الدمار في غزة يفوق بأشواط ما يمكن أن يكتبه الناطق باسم الجيش أو ما تبثه وزارة الخارجية من بيانات جافة.

في موازاة ذلك، تزداد الضغوط على الحكومة الإسرائيلية من داخل ائتلافها نفسه. فوزير المالية بتسلئيل سموترتش، أحد أبرز رموز اليمين المتطرف، يضغط باتجاه ضم 82% من الضفة الغربية، في وقت اضطر فيه نتنياهو إلى تأجيل أي بحث جدي في هذا الملف، بعد التهديد الإماراتي بأن الإقدام على خطوة كهذه سيؤدي إلى وقف مسار التطبيع. فالمسؤولون في أبوظبي ذكّروا تل أبيب بأن "اتفاقات إبراهام" لم تكن ممكنة لولا التعهد الإسرائيلي عدم الضم.

كل هذه الوقائع تضع إسرائيل في مأزق مركّب: فهي تحقق أهدافاً عسكرية موضعية، لكنها تتكبد خسائر استراتيجية كبرى في معركة الرأي العام. مقتل أبو عبيدة لم يبدّل هذه المعادلة، بل أكدها: إسرائيل تنتقم من صوت أفقدها السيطرة على السردية، لكنها لم تستعد موقعها الدولي. بل على العكس، تجد نفسها اليوم مطالَبة بتفسير حربها أكثر من أي وقت مضى.