.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
نشرت قبل 3 أشهر مقالاً أتوسل فيه "ربعي" الخليجيين ألا يواصلوا اختبار صبر الشعوب علينا حين يسافرون للسياحة، كأنما كنت أستشعر بحاستي السادسة أن "مصيبة" ما في الطريق. وسبحان الله، لم ينقض صيف 2025 حتى جاءت حادثة استهزاء بضعة شبان خليجيين بقبور شهداء الحرب في العاصمة الأذربيجانية باكو، ليتم القبض عليهم.
الأشنع من الاستهزاء كانت تعليقات عدد ليس بالقليل من الخليجيين على اختلاف جنسياتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، والذين أخمّن أنهم كانوا قد دخلوا للتو إلى صفحة أذربيجان في "ويكيبيديا"، وعادوا ليفتوا بأن الحزم الذي قوبل به الشبّان الخليجيين المخطئين كان بسبب انتماء غالبية الأذريين إلى المذهب الشيعي، و"حقدهم" الحتمي الدفين علينا كسنّة!
أضحكوني حقاً، لأن أذربيجان وقعت تحت الهيمنة الروسية في 1828، ثم الهيمنة السوفياتية منذ 1920 حتى 1991، مما أدى إلى ابتعاد الأكثرية المسلمة عن دينها، وجعلها دولة علمانية حتى النخاع، خصوصاً بعدما نشطت حركة "التنوير" في البلاد في أواخر القرن الـ19.
ووفقاً لمركز "غالوب" لاستطلاعات الرأي، فأذربيجان الثالثة عشرة عالمياً في ترتيب الدول الأقل تديناً، إذ اعتبر 21% فقط من مواطنيها الدين "عنصراً مهماً في حياتهم"، بينما قرر 53% بأن أهميته "ضئيلة أو معدومة"، كما يعترف 25% من مسلميها بعدم أدائهم الصلاة على الإطلاق. وثمة مظاهر أخرى للنزعة العلمانية القوية، منها الحظر غير الرسمي للحجاب في المدارس والوظائف الحكومية، ومنع حضور الأطفال مواكب عاشوراء.
ولتفهموا أذربيجان، ينتصب في باكو نفسها تمثال "المرأة المتحررة"، والذي يصوّر امرأة تخلع "الشادور"، أو الحجاب، بينما في المجتمعات الشيعية المتدينة، تُلزم الفتيات وضعه منذ عمر الـ9.
أضحكني هذا الجهل الفادح بأذربيجان، والوهم بأن الشعب الذي لا يصوم 57% من مسلميه في رمضان كان في الواقع مهتماً بأن "يكيد" للشبان الخليجيين السنّة، و"يثأر" لتشيعه منهم. أضحكني الافتراض الكسول أن الأذريين اكترثوا للفوارق بين الشيعي والسني، والافتراض الأكسل بأنهم يعرفونها أساساً. وأضحكني الاستنتاج أنهم حينما غضبوا من الشبان الخليجيين المستهترين فإنما غضبوا لأجل الصراع البائد بين علي ويزيد، وليس لأجل شهداء وطنهم.
ولكن أزعجني بشدة كيف أننا كخليجيين نجوب كل أصقاع الأرض، ونكتشف كل الدول كابن بطوطة، وقلما نلاحظ كيف تعافى بعض الشعوب غير العربية ذات الغالبية المسلمة من المهاترات الطائفية، وكيف تسامت -إلى حد كبير- على تقسيم كل شيء إلى ثنائية "شيعي وسني"، أو "بكتاشي وسني"، أو أي نسخة مماثلة من النزاع العقيم.
نذهب إليهم، في أذربيجان وألبانيا وكوسوفو وأوزباكستان وغيرها، فنختلط بهم، ونأكل طعامهم، ونمشي في أسواقهم، ولا يلفتنا دحرهم الناجح للمذهبية، ولا نقدّر لهم إنجازهم. بل في حادثة الشبان الخليجيين الأخيرة، مارسنا عليهم ما يشبه "الإسقاط النفسي"، ورميناهم بطائفيتنا بعدما كانوا قد وأدوا طائفتيهم أصلاً، ومضوا قدماً من دونها.
يا للأسف.