.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
منذ اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض، لم يُخفِ دونالد ترامب شغفه الجامح بالفوز بجائزة نوبل للسلام. لقد تحوّل هذا الشغف إلى ما يشبه الهوس، ويمكن وصفه بما يُعرف بـ"عقدة أوباما".
فمنذ أن حصل باراك أوباما على الجائزة عام 2009 بعد أشهر قليلة من تولّيه الحكم، حمل ترامب مزيجاً من السخرية والغيرة. لقد هاجم الجائزة علناً، واعتبرها غير مستحقة، لكنه في أعماقه ظلّ يتوق إلى اللحاق بركب الفائزين. وكانت صورة ميدالية نوبل الخاصة بالرئيس ثيودور روزفلت، المعروضة في البيت الأبيض، بعد منحه الجائزة عام 1906لدوره في إنهاء الحرب الروسية – اليابانية، بمثابة وقود إضافي لطموح ترامب بأن يُخلّد اسمه في قائمة الحائزين.
يؤكّد ترامب أنه أنهى "خمسة حروب" خلال ولايته. لكن أيّ حروب يقصد تحديداً؟ لم يوضح ذلك يوماً. وقد حاول المحلّلون تفسير هذا الادّعاء، فذكروا وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، والتوتر بين الهند وباكستان، والتهدئة على الحدود بين كمبوديا وتايلند، ومعالجة أزمة في قلب أفريقيا، وصولاً إلى اتفاقات أبراهام التي طبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، غير أن الدور الأميركي في هذه الملفات كان أقرب إلى دور الوسيط الذي يلوّح بالحوافز والامتيازات، أكثر من كونه صناعة حقيقية للسلام. لقد كانت ممارساته أقرب إلى "ديبلوماسية الصفقات" منها إلى بناء سلام مستدام.
ومع ذلك، تدفقت الترشيحات. فقد سارع قادة دول صديقة أو حليفة إلى ترشيحه. من رئيس وزراء كمبوديا إلى قادة أرمينيا وأذربيجان، مروراً بباكستان. الجميع تنافسوا في الثناء على "جهوده". لكن الترشيح الأكثر إثارة للسخرية جاء من بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة، والذي لم يتردد في تقديم ترامب كمرشح لنوبل. إنها لحظة من الكوميديا السوداء: أحد صانعي المآسي يقترح حليفه ليكون رمزاً عالمياً للسلام.
هذا المشهد يعرّي حقيقة أعمق، وهي حجم النفاق العالمي، ليس فقط المحيط بالجائزة بل ذلك التسابق في نفاق ترامب وكأنهم أيقنوا أن الطريق لكسبه هي النفاق. الجائزة كثيراً ما تتحوّل من تكريم للمنجزات الإنسانية إلى أداة للمجاملة السياسية؛ فالقادة، الراغبون في كسب ودّ واشنطن، يرشّحون ترامب في استعراض ولاء، ليحوّل هو هذه الترشيحات إلى دليل على "مكانته التاريخية". لكن المفارقة واضحة: كلّما ارتفعت أصوات الترشيح، تضاءلت القيمة الحقيقية للسلام.
ولم يتوقف ترامب عند حدود الترشيحات، بل أدار حملته للفوز بالجائزة كأنها معركة انتخابية. نشر فريقه صوراً مدروسة له وهو يقف أمام ميدالية نوبل، مرفقة بعبارة: "دونالد ترامب، رئيس السلام". كما تزامنت الحملة مع منشورات تروّج لدوره في تهدئة النزاعات، في محاولة واضحة للضغط على لجنة نوبل. لكن اللجنة النرويجية، الملتزمة بقواعدها، لا تعترف بالترشيحات ولا تنفيها، وتبقى كلّ الأسماء سريّة لخمسين عاماً. الحقيقة أن هذه الإعلانات ليست سوى أدوات ضغط، أكثر من كونها مؤشرات إلى الاستحقاق.
تتداخل في هذه الصورة أيضاً فضائح ترامب القضائية وإرثه السياسي المثير للانقسام. فقد راجت أخبار زعمت أن لجنة نوبل "شطبت اسمه"، ليتبيّن لاحقاً أنها غير صحيحة، وأنها صادرة عن نائب أوكراني كان قد رشحه ثم تراجع عن ترشيحه بسبب خيبة أمله من موقف ترامب تجاه الحرب الروسية – الأوكرانية. لكن الشائعة أدت وظيفتها السياسية: تذكير العالم بأن خلف مسرحية الترشيحات يقف رجل يواجه اتهامات بانتهاك القوانين الدولية والديموقراطية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تحولت جائزة نوبل للسلام من وسام شرف إلى عبء سياسي؟ تجربة أوباما مثال صارخ. فقد تحولت جائزته المبكرة إلى نقطة ضعف بعدما استمرت الحروب في عهده في سوريا وليبيا وأفغانستان. وكثير من المراقبين يخشون أن يمنح ترامب الجائزة فتفقد ما تبقى من مصداقيتها، وتتحوّل إلى مجرد "كأس للصور التذكارية".
قد يكون ترامب مرشحاً بالفعل، وهذا كافٍ من الناحية الإجرائية ليبقي اسمه ضمن دائرة الاحتمال. لكن فوزه لن يكون تكريماً لرجل سياسي بقدر ما سيكون اختباراً حاسماً لصدقية اللجنة النرويجية. هل تكافئ اللجنة حقاً من يصنع السلام، أم من يمتلك القدرة على تسويقه؟ وهل ما زال العالم قادراً على التمييز بين صانعي السلام الحقيقيين ومهندسي العروض الإعلامية؟
حتى يحين موعد إعلان النتائج في تشرين الأول/أكتوبر، سيبقى ترامب يبتسم أمام الميدالية الذهبية في مخيّلته، متمنّياً لحظة مجد قد لا تأتي أبداً. لكن ما كشفه هذا السعي المحموم أبعد من شخصه: إنه يكشف استمرار النفاق السياسي، والكوميديا السوداء لعالم يستطيع فيه صانعو الحروب أن يرشّحوا بعضهم البعض لجائزة السلام.