بري ونسيان أول خيط الأزمة

كتاب النهار 01-09-2025 | 13:44
بري ونسيان أول خيط الأزمة
أبرز استنتاجات خطاب بري في ذكرى الإمام موسى الصدر أنه يعتمد أسلوباً يدفع به إلى أن ينسى اللبنانيون أول الخيط، فيثير التباسات وأزمات أخرى
بري ونسيان أول خيط الأزمة
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (مكتبه الإعلامي).
Smaller Bigger

في 27 تشرين الثانينوفمبر 2024، اجتمعت حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي لتأخذ علماً باتفاق وقف الاعمال العدائية الذي فاوض عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري نيابة عن " حزب الله'" وبالاصالة عن نفسه من اجل وقف الحرب الاسرائيلية، مستعيناً بالوساطة الاميركية. هذا الاتفاق فرضه الثنائي الشيعي على الدولة اللبنانية، مثلما فرض الحزب على لبنان حرب الاسناد وكلفه خسائر جسيمة. ورد في الاتفاق الذي ناقشه بري ووقعه أنه "تعكس هذه التفاهمات الخطوات التي تلتزم بها إسرائيل ولبنان من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1701 بالكامل، مع الاعتراف بأن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1701 يدعو أيضاً إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة له، بما في ذلك "نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان"، حيث تكون القوات الوحيدة المسموح لها حمل الأسلحة في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية (LAF)، وقوى الأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن العام، والمديرية العامة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية (المشار إليها في ما يلي باسم "القوات العسكرية والأمنية الرسمية في لبنان").

ابرز استنتاجات خطاب بري في ذكرى الامام موسى الصدر انه يعتمد اسلوباً يدفع به الى ان ينسى اللبنانيون أول الخيط، فيثير التباسات وأزمات اخرى. قرار مجلس الوزراء في 5 آبأغسطس هو الالية التنفيذية للاتفاق الذي فرضه الثنائي الشيعي والذي يسعى الى نسفه راهناً تذرعاً بأن اسرائيل لم تلتزم تنفيذه . ومع ان هذا الامر صحيح، فإن إقرار لبنان التزامه في المقابل الاتفاق في حكومة ميقاتي اولاً، ما انعكس في خطاب القسم والبيان الوزاري، بحيث لم يعد يسمح بربط استعادة لبنان سيادته وحصرية السلاح بأي امر آخر ليس لأن الثنائي هو من وافق عليه وتالياً هو يحل بما التزمه فحسب، بل لان قرار مجلس الوزراء في 5 آب هو التزام ما التزمه الثنائي اولاً ولان حصرية السلاح تندرج من ضمن معالجة موضوع السيادة في لبنان. فالسيادة هي عملية كاملة متكاملة ليست ضد احد بل هي مصلحة للبنان ولكل ابنائه وليست لفريق منه، وهي لا تحمل انصاف حلول كأن تواصل الشيعية السياسية تحت مسميات واعذار مختلفة فرض سيطرتها على لبنان والتحكم بقراره، او ان يسعى كل لبنان الى التكيف مع ما يريده بري بدلاً من ان يقود طائفته الى الانخراط في الدولة والتكيف مع اللبنانيين، فضلاً عن حاجة كل الطوائف اللبنانية الى ضمانات فيما ان سلاح الحزب لم يوفرها .
والنقطة الاخرى التي تواجه بها اوساط سياسية خطاب بري ان الموفد الاميركي توم براك اتى في المرة الاولى حاملاً افكاراً عرضها على المسؤولين وابرزهم بري، لم يرفضها هذا الاخير كما لم يرفضها الحزب آنذاك، بل تمت دراستها ومناقشتها وتم الاتفاق على نقاطها الاساسية . وتفيد معلومات احد المراجع السياسية ان اكثر من 50 اجتماعاً عقدت من اجل ادخال التعديلات اللبنانية على ورقة براك بمشاركة فاعلة من ممثلين لبري الممثل بدوره للحزب، ليفاجأ اللبنانيون لاحقاً بتراجع بري ومقاطعته قرار مجلس الوزراء الذي اقر ورقة الافكار المعدلة .
ولا اسباب تخفيفية لبري في هذا الاطار، في ظل رهان غير واقعي من كثر منذ مقتل الامين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله على قيادة عودة الطائفة الشيعية الى الدولة والاندماج فيها . فيما تتعاظم الخشية من محاولة تكيف الرئاستين الاولى والثالثة مع سقف بري خصوصاً بعد مراعاة كبيرة ادت الى تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء منذ 7 آب الماضي، ثم تأجيل الجلسة المرتقبة للمجلس الى 5 ايلولسبتمبر الجاري افساحا في المجال امام تهدئة الاجواء ، ما يوفر مؤشرات الى ان استشراس "حزب الله" بالتهديد والتصعيد فيما يرفض مبادرات الحكومة، قد ينجح بردعها عن مواصلة وضع آلية تنفيذية لقرارها مدعوماً من بري. والخطورة التي يستشعرها كثر وفي ظل الوضع الضعيف الذي يغرق فيه لبنان، ان يعتبر البعض ان باستطاعة لبنان ان يناور اكثر من الحدود التي تسمح بها قدرته على المناورة. فلبنان اليوم من دون حلفاء. هو ضعيف اذاً وليس لديه حلفاء ولن يجد احداً يستطيع او يرغب في الدفاع عن وجهة نظره . ويمكن تلمس ذلك من تجربة التمديد للقوة الدولية العاملة في الجنوب لسنة نهائية واخيرة، وهو تمديد حصل بشق النفس ولم يكن انتصاراً للبنان. فيما ان فرنسا التي قادت هذه العملية ليست في افضل احوالها .
وثمة عوامل اضافية لم تعد تنفع في ظل المنطق الذي ساقه بري وفقاً لملاحظات سياسية عدة . فالواقع الذي رسا عليه الوضع في لبنان استناداً الى حروب ادارها الحزب وورط لبنان فيها يفيد بعدم امتلاك لبنان اوراق قوة قيّمة فعلياً في وجه اسرائيل. فلا توازن ردع ولا توازن رعب يمكن ان يدفعاها الى اي تنازل لمصلحة لبنان، والحزب لم يعد يخيف اسرائيل وحتى في حال اختلال التوازن، فلا اي قوة يعتد بها بدليل عجز الحزب عن اطلاق رصاصة واحدة منذ 27 تشرين الثاني الماضي . فيما لن ينفع مع اسرائيل سوى الضغط الدولي وتحديداً الضغط الاميركي للحصول على شيء ما للبنان. وهناك شكوك كبيرة في ان ما يجري يعطي لبنان قوة تفاوضية على خلفية الواقع الذي يريده الثنائي الشيعي بل على العكس من ذلك، هو يعطي ذريعة لإسرائيل لان تستخدمها ساعة تشاء من اجل ضرب لبنان، ويوفر لها القدرة على ذلك في مقابل اعطاء ايران ورقة لان تبيع ورقة الحزب او الورقة الشيعية ككل في لبنان ساعة تشاء، وفق ما يعتقد كثر انه يكمن في هذه النقطة الاخيرة لب الموقف التراجعي للثنائي عن التزام اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، اي توفير اوراق لايران تعزز موقعها الاقليمي التراجعي جنباً الى جنب مع الحصول على مكاسب تكفل استمرار سيطرة الثنائي على السلطة في لبنان .