الإقطاع التّكنولوجي ونظامه الاعتقادي

كتاب النهار 01-09-2025 | 05:00
الإقطاع التّكنولوجي ونظامه الاعتقادي
الكمْ الهائل من المنصات والبيانات والذكاء الاصطناعي، يجعل أسياد التكنولوجيا بلا منافس للسيطرة، فيما يظل المستخدمون مجرد أقنانٍ رقميين، يعرضون اهتمامهم وبياناتهم مقابل الوصول، أما الوعد بالخلاص الجسدي أو المكاني فمحجوز لقلة من الناس من الذين يستطيعون تحمل تكلفته.
الإقطاع التّكنولوجي ونظامه الاعتقادي
يحلم إيلون ماسك باستعمار المريخ باعتباره كوكباً احتياطياً للحضارة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ربما يصبح نظام الأشياء الذي نعيشه، وعرفناه منذ قرون، مجرد ذكرى في تاريخ البشرّ. شكل الدولة، والتنظيم الاجتماعي والمعتقدات وعلاقة الإنسان بالإنسان وبالخالق، كلها ستكون تحت اختبار التحول التكنولوجي النوعي والكمي، الجاري بتسارعٍ على الأقل منذ الأزمة الوبائية، وقائدته بلا منازعٍ طبقة الإقطاع التكنولوجي، التي لا تشرف على علاقات إنتاجٍ تمارس من خلالها نخبة صغيرة من مليارديرات التكنولوجيا وشركاتهم سيطرةً غير مسبوقة على البيانات والاتصالات والبنية التحتية، فحسب، ولكنها تعيد صياغة شكل الوجود البشري ومعناه على نحو جوهري، من خلال منظومة معتقدات شبه دينية، تجمع بين الطوباوية التكنولوجية والنخبوية.

وهذه النزعة التكنو - دينية ليست سراً. فهي تظهر بقوة في أدبيات قادة هذه الطبقة، لا سيما من خلال شخصيات مثل إيلون ماسك وبيتر ثيل. واللافت أنها تتقاطع مع الشعبوية اليمينية الصاعدة في العالم الغربي. وتقوم على فكرة أساسية وهي الإيمان بالتفرد التكنولوجي.

الفكرة التي صاغها عالم المستقبليات راي كورزويل، ولحظتها الأساسية حين سيتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري، مُحدثاً تحولاً حضارياً لا رجعة فيه. عندها، قد يندمج البشر مع الآلات، محققين إدراكاً هائلاً ومعرفةً تكاد تكون لا نهائية.

يتحول هذا التفردّ إلى نوع من الوعد الخلاصي. ويؤسس لمنطق الخلاص من خلال التكنولوجيا. فالموت، في هذا النظام، ليس نهاية وبداية كما في اللاهوت الديني، بل مشكلة تقنية يجب حلها. ولذلك يستثمر أشخاص مثل بيتر ثيل، بكثافة في أبحاث إطالة العمر وتجميده، والهندسة الوراثية. والهدف ليس مجرد حياة أطول، بل الخلود من خلال التكنولوجيا، في محاولة لاستبدال الأمل الديني بالحياة الآخرة بالوعد التكنولوجي من خلال إعادة تشغيل الجسم.

أما الأساس الثاني في النظام الإيماني التكنولوجي، فهو البحث عن بديل للأرض. هناك اعتقاد مشترك لدى رموز هذه الطبقة حول نهاية صلاحية الأرض كفضاء للوجود البشري والتجربة الإنسانية، كونها فشلت كمكان في تحقيق خلاص البشر، فضلاً عن كونها تعاني خللاً بنيوياً بسبب تغير المناخ.