.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ثمة ضخ وشحن وتحريض طائفي كبير في سوريا، بيد أن ذلك ليس مفاجئاً، بالنسبة لبلد افتقر إلى نظام سياسي طبيعي، أو إلى دولة مؤسسات وقانون، لأكثر من خمسة عقود، عانى خلالها المحو السياسي، وغلبة السلطة على الدولة والمجتمع، وتغوّلها على المجالين العام والخاص، مع مصادرة الحريات الأساسية.
بيد أن السوريين، بعد انهيار نظام الأسد (الأب والابن)، وجدوا أنفسهم فجأة بدون قيود، وبدون أي تعبيرات، أو كيانات، سياسية وازنة، تمثلهم وتعبّر عنهم وترشد مسارهم، بحيث بدت تعريفاتهم لذاتهم مضطربة، وغير واضحة ولا متماسكة، بحكم افتقادهم إجماعات وطنية جديدة، تؤسس لقيامتهم، أو لصيرورتهم، كشعب، بدل التمترس عند الهويات الأولية، الإثنية والطائفية، ليس الطبيعية والإيجابية، بل السلبية، القائمة على التعصب، والكراهية، ومحاولة كل طرف نفي الآخر.
يعتبر نظام الأسد المسؤول عن تعويق تلك الصيرورة، بطمسه مكانة المواطنة، الحقوقية والسياسية، للسوريين جميعاً، كمواطنين، أفراداً وأحراراً ومتساوين، ومستقلين عن انتماءاتهم الأولية. وأيضاً، بتكريسه المفهوم الساذج عن الجماهير، أو الشعب، ككتلة صماء، لا حقوق لأفرادها، علماً أن الحقوق، وضمنها الحرية، هي معطى فردي، ولا تكتسب طابعها الجمعي إلا إذا شملت كل المواطنين كأفراد، إذ إن القول بحرية شعب ما وكرامته، لا يستقيم من دون حرية المواطنين وكرامتهم، أي إن ذلك مجرد لغو، واستلاب، وتلاعب، أو ضحك على اللحى؛ مع التذكير بأن تشدق ذلك النظام بـ"القومية"، كان لمجرد الاستهلاك والمواربة، إذ كان، من الناحية العملية، أبعد شيء عن شعاره: "وحدة، حرية، اشتراكية".
وبالنسبة إلى سوريا لا يمكننا إنكار أن نظام الأسد نجح، طوال أكثر من نصف قرن، في تعميم النزعة الطائفية، وشرذمة المجتمع، ووضع مكوّناته في مواجهة بعضها البعض، كما في محاولاته تظهير ذاته كـ"حارس للأقليات". فهذا البلد الذي لم يعرف الصراعات أو النزاعات الطائفية في أول عقدين بعد الاستقلال (ولا في حقبة الانتداب الفرنسي) عرف كل ذلك في ظل نظام الأسد الذي اشتغل على زرعها وترسيخها لتوظيفها في تعزيز شرعيته، وتوسيع قاعدته الاجتماعية، وتمكينه من الهيمنة على المجتمع، وفق قاعدة "فرّق تسد".
وقد يفيد التوضيح هنا أن ما تقدم لا يغيّب التاريخ، ولا الواقع، لكنه يفيد بضرورة التمييز، وعدم الخلط بين الطوائف التي هي معطى تاريخي، ديني وثقافي، والطائفية والأقليات، باعتبارها معطى سياسياً وظيفياً، تُستخدم فيها الجماعات الهوياتية لأغراض سلطوية، بغض النظر عن حقوق أفرادها الذين يدفعون الثمن، وهذا هو حال التعصبات الطائفية والإثنية التابعة لأرباب الطوائف والقوميات.
الأنكى من ذلك، أن الضخ والشحن والتحريض الهوياتي، الطائفي والإثني والعشائري والمناطقي، كما هو في سوريا اليوم، لا يخدم بناء الدولة، ولا بناء مجتمع المواطنين المتساوين، كما لا يفيد باستقرار النظام السياسي، ولا ببناء إجماعات وطنية جديدة، بل إنه يؤكد أن تركة النظام البائد لا تزال تفعل فعلها في واقع السوريين، عن قصد أو من دونه.
معلوم أن الفكر السياسي الطائفي يصدر عن وجهة نظر تقسّم المجتمع بطريقة أفقية، لا عمودية، بحيث تغدو الطوائف في تقسيم كهذا منمّطة في بيئات متجانسة سياسياً وثقافياً ومصلحياً، وفي وضعية كهذه يجري تنميط الأفراد ومصادرة خصوصياتهم وخياراتهم الفردية، كما يجري وضع الطوائف في مواجهة بعضها البعض، في إطار من العصبية والانغلاق إزاء الآخر.
ولعل خطورة الفكر السياسي الهوياتي، الطائفي والإثني والعشائري، تكمن في إعاقته عملية الاندماج بين مكوّنات المجتمع المعني، وتفكيك علاقة الطوائف بمجتمعها، بحيث تغدو الجماعات الهوياتية بمثابة "أقليات"، ما ينتج منه نظرات، أو رؤى خطيرة، أولاها توحي بأن هذه الطوائف غريبة عن مجتمعها. وثانيتها أن هذه الطوائف لها امتدادات إقليمية، بمعنى أن الأولوية ليست لانتمائها إلى بلدها بل لانتمائها إلى طائفتها الممتدة. وثالثتها، أن الأشخاص منمّطون في بعد واحد، ما يتناقض مع الواقع والطبيعة والتاريخ.
لهذه الاعتبارات كلها، فإن التعصب الهوياتي، مهما كان مصدره، قومي أو ديني، أو عشائري، أو أيديولوجي، ينطوي على التعسف، والزيف، والتلاعب والتوظيف، وهو لا يخدم إلا أقلية، لكنها الأقلية التي تتحكّم بالسلطة أو بالجماعة الهوياتية ذاتها.
قصارى القول، لا يمكن لسوريا الجديدة أن تقوم وتستقر وتتطور بدون التنوع والتعددية في مكوّناتها، كمواطنين، أحراراً ومتساوين، مع التأكيد أن التقسيم الجغرافي، أو تقسيم السلطة، يجب أن يتأسس على الخوف من تقسيم الشعب، وتنميطه، وفق مكوّنات هوياتية، لأن هذا التنميط هو المصدر الأساس للانقسام الجغرافي والسلطوي، لا العكس، وهو نقيض فكرة الدولة والمواطنة، وهما أكثر شيئين يحتاجهما السوريون اليوم.