.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ما من أمة نجحت في تكريس ملامح هويتها الوطنية إلا وكانت قبلها نثار أقليات حائرة بوجودها الغامض. فالهوية الوطنية التي هي واحدة من وجوه الاتفاق على بناء دولة ضامنة للجميع بسبب استنادها إلى القانون هي في الوقت نفسه مسودة للمواطنة، الصفة اللازمة التي تتجسد من خلالها الحقوق والواجبات لكل فرد من أفراد المجتمع باعتباره مواطناً.
في أكثر صورها وضوحاً تظهر المواطنة في الأوضاع القانونية التي يتمتع بها المهاجرون إلى أوروبا بعد أن يتم منحهم الإقامة الدائمة أولاً والجنسية ثانياً. في تلك الحالة يكون الحديث عن الأقليات هو مناسبة لفهم اختلاف الثقافات والعادات الاجتماعية والتقاليد المتوارثة وصولاً إلى الصناعات التقليدية والرقصات والأغاني ووصفات الطعام، ولا علاقة لذلك الحديث بالوضع القانوني الذي لا يختلف اثنان على مبدأ المساواة فيه. لذلك فإن الأمم الناجحة لا تظهر الأقليات فيها إلا من خلال الاحتفالات الفلكلورية التي هي عبارة عن سباق ثقافي واجتماعي، بقدر ما يتميز بالظُرف والفكاهة يفتح الذاكرة على مواقع التنوع والغنى الحضاري، أما الأمم الفاشلة فإنها تبقي أقلياتها سجينة هويات متنافرة، من غير أن تجرها إلى منطقة الهوية الوطنية الموحدة التي تستظل بالقانون. تلك مشكلة تلقي بظلال الشك على قدرة تلك الشعوب على بناء دولة حديثة، تكون بمثابة الماكنة التي تصهر من غير أن تٌذيب. فالدولة الحديثة ليست مجرد جهاز سُمح له بالقمع الضروري من أجل حماية المجتمع، بل هي أيضاً بنية قانونية لا يستقيم عملها إلا من خلال تفاعل الأفراد إيجابياً معها من أجل تسهيل عملها الخدمي وتنفيذ برامجها.
وهم الدولة حامية الأقليات
حين رُفع العلم الإسرائيلي في السويداء غير مرة صُدم السوريون معتبرين ما حدث سابقة خطيرة لا تهدد وحدة الدولة السورية وحدها، بل وأيضاً تهدد ثوابت المجتمع السوري، وهم على حق في ذلك. لولا أنهم لم يتذكروا أن الأعلام الإيرانية سبق لها وأن رُفعت في العراق ولبنان تعبيراً عن ولاء فئة محددة لإيران. وفي الحالين كان ذلك الفعل الشائن أخلاقياً تعبيراً مزدوجاً عن ضعف الدولة الوطنية وعدم توازنها وعن اختلال القيم الوطنية لدى الأفراد في فهم دورهم في منع الدولة التي هي ضمانتهم في العيش المشترك من السقوط في فخ الطائفية أو تصريف الشأن العام برؤية منحازة. وإذا كان القانون الأساس في الدول الثلاث والذي يُعاقب على سلوك غير وطني من ذلك النوع معلقاً أو انتقائياً، فإن الوصول إلى ذلك المستوى من الانحدار لا يعني سوى تهميش الرؤية الوطنية المشتركة القائمة على ثوابت ينبغي لها ألا تهتز في كل الحالات الطارئة.