تونس والهرم المقلوب

كتاب النهار 27-08-2025 | 04:30
تونس والهرم المقلوب
من الأكيد أن مدينة تونس تفتقد معالم تميزها عن بقية عواصم العالم. ولكن كتلة إسمنتية خالية من أي روح، ليست واحدة منها، إذ لا يمكن لأحد أن يتذكر حدثاً فريداً من نوعه احتضنه هذا الفندق ولو أن بعض المشاهير أقاموا فيه.
تونس والهرم المقلوب
بقي نزل البحيرة مهجوراً لأكثر من عقدين رغم موقعه الاستراتيجي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

من غير المفهوم كيف أصبح مشروع إزالة فندق مهجور في مدخل العاصمة التونسية موضوع جدل لا ينتهي بين التونسيين.

بدأت القصة بالإعلان عن قرب البدء في هدم فندق يعرف باسم "نزل البحيرة"، بعدما اشترته شركة استثمار أجنبية بغرض إقامة مشروع سياحي وتجاري محله.

يعود تشييد هذا الفندق المتداعي إلى سبعينيات القرن الماضي، وقد بقي مهجوراً منذ أكثر من عقدين رغم موقعه الاستراتيجي.

رأى البعض أن هذه البناية التي صممها مهندس معماري إيطالي سنة 1973 في شكل "هرم مقلوب" جديرة بأن تصنف ضمن التراث المعماري للبلاد. وصل الأمر بعضو في البرلمان للتصريح بالقول: "إنّ هدم نزل البحيرة ليس مجرد إزالة بناء، بل هو اقتلاع جزء من هوية العاصمة، وإسكات شاهد على مرحلة من تاريخنا الحديث”. كلام فيه الكثير من المبالغة في بلاد تزخر بمعالم تاريخية يعود بعضها لأكثر من ثلاثة آلاف عام.

ولما يهتم اليوم قطاع واسع من الناس بفندق متهالك ويرفعون من مقامه إلى حد اعتباره معلماً حضارياً ينبغي الحفاظ عليه مهما كانت التكاليف، ينسى الكثيرون أن عديد المعالم التاريخية تعرضت للإهمال والاندثار منذ الاستقلال وكانت أجدر بالعناية.

ومن بين هذه المعالم الآثار القرطاجنية التي زحف عليها المد العمراني الجشع، في غفلة أو غض طرف من السلطات المحلية والمركزية، رغم أن منظمة اليونسكو لفتت نظر أولي الأمر في تونس عديد المرات إلى الخطر الداهم، بل بلغ الأمر أحياناً حد التهديد بسحب اسم قرطاج من سجل التراث العالمي.

يحسب للدولة وبعض المنظمات غير الحكومية أنها استطاعت الحفاظ على المدينة العتيقة، وعملت على إنقاذ العديد من القصور الملكية السابقة بتحويلها إلى متاحف ومبانٍ حكومية ومؤسسات ثقافية. ولكنه في غمرة الحماسة التي تلت إعلان الجمهورية سنة 1957، تعرضت قصور ملكية أخرى إلى الإهمال. فتهاوى بعضها وتحول البعض الآخر لمصانع ومستودعات وشقق سكنية استولى عليها عابرو السبيل.

بل إني أتذكر كيف كنا أيام الطفولة نلعب الكرة في بعض هذه القصور، غير واعين بالقيمة التاريخية للأماكن التي كانت تحتضن مبارياتنا.

من الأكيد أن مدينة تونس تفتقد معالم تميزها عن بقية عواصم العالم. ولكن كتلة إسمنتية خالية من أي روح، ليست واحدة منها، إذ لا يمكن لأحد أن يتذكر حدثاً فريداً من نوعه احتضنه هذا الفندق ولو أن بعض المشاهير أقاموا فيه.

تحتاج العاصمة قبل كل شيء إلى تدارك التأخير في تطوير بنيتها التحتية ومرافقها العصرية، ما دفع الكثيرين إلى الانتقال بمكاتبهم ومتاجرهم إلى الضواحي. في الأثناء بقيت آلاف المباني وسط العاصمة آيلة للسقوط دون أن يتجرأ أحد على إزالتها وتعويضها بمبانٍ جديدة، في ظل إجراءات قانونية متشعبة وغياب رؤية عمرانية بعيدة الأمد.

من المعوقات الأخرى هاجس النوستالجيا الذي يسكن المخيال التونسي أحياناً. يفاجئك البعض بالتعلق بأشياء من الماضي القريب ولو انتهت مدة صلاحيتها.

في الدول المتقدمة يتم هدم الفنادق والعمارات والمنشآت المتداعية كل يوم من قبل شركات مختصة وحسب تراتيب واضحة. وترتفع محلها مشاريع تجارية كبرى وناطحات سحاب ومناطق خضراء في نطاق تهيئة عمرانية متكاملة توفق بين ضمان جودة الحياة وتنشيط الدورة الاقتصادية، مع الحفاظ فقط على المعالم الأثرية المعترف بقيمتها التاريخية. فالكل ينظر إلى المستقبل ولا يتشبث أحد بمعالم موهومة.

ذلك هو التمشي السليم في أي بلاد أو مدينة تسعى للنهوض بأحوالها ومسارعة الزمن عوض اختلاق المعوقات. وتونس، مدينة وبلاداً، هي بالتأكيد في حاجة لبناء غد واعد يماثل ماضيها التليد. لا شيء غير ذلك.