أمهات منفيات

كتاب النهار 23-08-2025 | 06:16
أمهات منفيات
ينتهي المطاف بالأمهات يشعرن بالخجل والعار والذنب، وبأنهن ضيف ثقيل على الفضاء العام الذي لم يعد يتسع لهن منذ أصبحن مسؤولات عن أطفالهن...
أمهات منفيات
...وتمضي الأعوام
Smaller Bigger

"لم أدخل دور السينما منذ مولد ابنتي"، قالت إحدى الصديقات وهي تبتسم بإجهاد. وكان الأمر مفهوماً، فهي لم تعين مربية لتعتني بصغيرتها ذات السنتين ريثما تروّح عن نفسها لساعتين، كما لم تتحل برفاهية الاستغاثة بأحد الأقرباء. وعموماً، لم يكن من العدل في حق المتفرجين الآخرين أن تنفجر الرضيعة باكية مع كل دوي انفجار في فيلم "ستار وورز".

تمضي السنوات، وألاحظ بأن الصديقة -والتي أنجبت طفلاً ثانياً- باتت تتجنب أيضاً ارتياد المطاعم والمقاهي، لأنها لا تريد لطفليها "أن ينغصا على الناس وجباتهم"، وصارت تفضّل التسوق "أونلاين" لأنها لا تضمن ألا يضع طفلها أصابعه الدبقة على زجاج الواجهات البراقة، أو ألا تستلقي ابنتها على الأرضية استجداء لدمية جديدة.

وبينما بدا مفهوماً -على الورق- ألا ترغب الأم في أن تتلقى غضب الغرباء بسبب طفليها، فقد صارت تتجنب كذلك معظم التجمعات والنزهات والمآدب التي يقيمها الأصدقاء والمعارف، وتقلق من أن تكون المدعوة التي يرمقها الآخرون شزراً.

وحتى بعدما غادرت الإمارات، وسكنت دولة مترامية الأطراف، ظلت تخبرني عن الرحلات المضنية التي تقوم بها بالسيارة بين المدن مخافة أن يشكّل طفلاها "كابوساً لركاب الطائرة"!

لن أوضّح ما لا يستلزم إيضاحه؛ فأحد منا لا يبتهج بتقافز الأطفال في غرف انتظار المستشفيات، أو يستمتع بركلات طفل مدلل على ظهر مقعده في الطائرة. وأنا لا أقول إن أحداً منا ملزم بالتضحية بسويعات الراحة التي يقضيها في المقهى يجالس كتاباً، وبأن عليه الاستماع إلى أغنية "طائر النورس حلّق حلّق" تصدح من هاتف مرمي بين يدي طفل "غير مروّض".

ولكن الوقت، والنضج، وخوض الصديقات المقربات مني تجربة الأمومة، جعلني أشد وعياً بتبعات تأففي المتبرم من هذه السلوكيات، واستعجالي الصارم لـ"التقدم بشكوى". ربما كنت مخطئة، خصوصاً في نظرات القاتل السايكوباثي التي كنت أوجهها إلى الأطفال المتدافعين خلفي في الطوابير.

اكتشفت -غفر الله لي- بأن نفاد صبرنا، وقلة تسامحنا، وانعدام تفهّمنا، لوجود الأطفال في الأماكن العامة، بكل ما يتضمنه وجودهم من ضوضاء وحماقات ومشاكسات وإخلال بالنظام وتطلّب واستحقاقية عالية، لا يؤدي في الحقيقة سوى إلى عزلة الأمهات، وإقصائهن عن الحياة، وانزوائهن عن المجتمع، خصوصاً إذا كن يفتقدن إلى الدعم والمساندة الكافيين من الأب، أو الأقرباء، أو الجيران، أو العاملة المنزلية. ينتهي المطاف بالأمهات يشعرن بالخجل والعار والذنب، وبأنهن ضيف ثقيل على الفضاء العام الذي لم يعد يتسع لهن منذ أصبحن مسؤولات عن أطفالهن.

اكتشفت أنهن واعيات تمام الوعي بضيقنا، وتبرمنا، وانزعاجنا، واستغفارنا بصوت مسموع، وحتى بالشتائم التي نسرّها في أنفسنا. إنهن واعيات بكل ذلك، ويعاقبن أنفسهن بالنفي.

وبينما لن يتغير موقفي 180 درجة، ولن أضحك يوماً لمنظر الأطفال المتسابقين في ممرات السوبرماركت، فإني بت أكثر تعاطفاً مع من ستقضي محكومية هذه الجريمة.