نمط الإنتاج الشعبوي

كتاب النهار 18-08-2025 | 05:00
نمط الإنتاج الشعبوي
ما يحدث في تونس منذ أربع سنواتٍ من فوضى اقتصادية، تتجلى آثارها على نحو كارثي في وجوه الناس، يحتاج دراسةً عميقة، بأدواتٍ تحليلية جديدة لما يمكن أن نسميه تجاوزاً بنمط الإنتاج الشعبوي.
نمط الإنتاج الشعبوي
"الشركات الأهلية" ركيزة أساسية في خطة الرئيس قيس سعيد. (أ ف ب)
Smaller Bigger

الشعبوية ليست نسيجاً واحداً، وعلاقتها بالاقتصاد معقدة وجدلية، بحسب اختلاف ساحاتها، سواءً تعلق الأمر بجذور تشكلها أو صعودها أو تمكنها من السلطة. لكن ما يحدث في تونس منذ أربع سنواتٍ من فوضى اقتصادية، تتجلى آثاره على نحو كارثي في وجوه الناس، يحتاج دراسةً عميقة، بأدواتٍ تحليلية جديدة لما يمكن أن نسميه تجاوزاً بنمط الإنتاج الشعبوي.

منذ مطلع عام 2022، أصبحت "الشركات الأهلية" الركيزة الأساسية في خطة الرئيس قيس سعيد الاقتصادية، والتي تشبه في تكوينها الشركات التعاونية، التي ظهرت في كثير من الدول في ستينت القرن الماضي، وتتمتع بامتيازات التمويل والإعفاء الضريبي لمدة عشر سنوات. وكغيْرها من مبادرات الرئيس، تم تكريسها فوقياً بموجب مرسوم، بلا نقاشٍ مع أصحاب المصلحة ولا دراسات علمية كافية ولا مصادقةٍ من البرلمان.

من الناحية النظرية، يريد الرئيس من خلال هذا النموذج الوصول إلى قدرٍ من العدالة الاجتماعية، كما يتصورها. من خلال شركات تُدار محلياً، قادرة على خلق فرص عمل، والحفاظ على الثروة في المجتمعات المحلية، وتقديم بديلٍ من نماذج التنمية المركزية أو تلك التي تُحركها قوى السوق، تنطلق من القاعدة إلى القمة. ولكنه، كما في جميع سياسته، ينطلق عملياً من القمة إلى القاعدة.

لكن الخطر الحقيقي لهذا النموذج من التنظيم السياسي للإنتاج، يكمن في تخريب بنية الإنتاج نفسها، ضمن سياقٍ أوسع في البلاد، يتسم بارتفاع التضخم وشح السيولة، وارتفاع قيمة الدين العام يُضاعف من حجم المخاطر؛ وذلك من خلال الاستغلال السياسي، لحشد الدعم وتعزيز السلطة الرئاسية بدلاً من خدمة الأهداف الاقتصادية أو الاجتماعية البحتة، وتجزئة الأطر القانونية؛ فالهيْكل الموازي للتعاونيات وكيانات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني القائمة يهدد بالتكرار، والتنافس على الموارد، والارتباك القانوني، فضلاً عن التمويل غير المتكافئ والمسيس، بحيث قد يعتمد الوصول إلى القروض والدعم والمزايا الضريبية على الموقف السياسي، بدلاً من القدرة على الاستمرار الموضوعي، مما يؤدي إلى عدم المساواة والمشاريع غير المستدامة. وهذه الهشاشة تؤدي بالضرورة إلى تحديد القدرة على التوسعّ، فهذا الشكل من الشركات والمزايا التي وراءه، يقيد النمو والتنويع، مما قد يؤدي إلى حبس المجتمعات في أنشطة مخفوضة القيمة أو يجعلها تسعى إلى الريع.