ثقة الشباب التونسي بالدولة مسألة حيوية

كتاب النهار 13-08-2025 | 05:06
ثقة الشباب التونسي بالدولة مسألة حيوية
الآلية الوحيدة التي يمكن أن تربط فعلياً بين الإدارة والمواطن في تونس وأن تحمل صوت كل مغلوب على أمره إلى صاحب القرار هي المنصات الإلكترونية وفي مقدمها "فيسبوك". من دونها تبقى هنات الإدارة وغرائبها في غياهب الملفات والرفوف...
ثقة الشباب التونسي بالدولة مسألة حيوية
هل أصبحت مصالح الناس اعتباراً ثانوياً أمام أحكام الكمبيوتر وقراراته؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

وجدت المنظومة التربوية التونسية نفسها أمام اختبار مصداقية صعب خلال الأيام الماضية نتيجة اضطراب طرأ على عملية توجيه تلاميذ السنة النهائية للثانوية العامة نحو الجامعات.

بدأت القصة الغريبة بتدوينة من تلميذ اسمه "محمد" تحصّل هذا العام على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) بتفوق في اختصاص العلوم التجريبية.

مثلما هو الحال بالنسبة لكل الناجحين في البكالوريا والراغبين في الالتحاق بالجامعة استعمل محمد المنصة الرقمية لوزارة التعليم العالي لتسجيل اختياراته على صعيد التخصصات التي يرغب في متابعتها بالجامعة. وطبقاً لطموحاته ومؤهلاته الدراسية اختار التخصص في الطب أو الصيدلة. لكن ما راعه هو أنه تم إشعاره لاحقاً بانه تم توجيهه للتخصص في علوم التراث في مؤسسة جامعية بمدينة القيروان بداية من العام المقبل، وشتان بين الطب والتراث.

وما زاد في صدمته هو رد موظفي وزارة التعليم العالي الذين اتصل بهم للتظلم. هؤلاء أصروا على أن "المنظومة لا تخطئ"، فمعاييرها موضوعية وهي مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لم تنقذ محمد من وضعيته السريالية سوى رسالة مفتوحة نشرها على منصة "فايسبوك" وناشد فيها رئاسة الجمهورية والوزارة والجمهور الواسع التدخل لفائدته. تفاعل الكثيرون مع تدوينته وتبنت قطاعات واسعة من الرأي العام قضيته. ولم يمر يومان حتى اتصل به وزير التعليم العالي شخصياً ليعلمه بأنه سوف يتم تدارك الخطأ الحاصل في التوجيه وتمكينه من دخول كلية الطب. لكن الحادثة فتحت "صندوق باندورا" على الوزارة وأطلقت موجة من التشكيات شملت 12 حالة مماثلة من المحافظة نفسها التي ينحدر منها التلميذ محمد. وتم الإعلان لاحقاً عن إيقاف تلميذ فاشل في امتحان البكالوريا يشتبه في اختراقه المنظومة الإلكترونية من أجل تزوير بياناتها. ووعدت السلطات بتسوية وضعية المترشحين المتضررين.

لكن الوزارة بقيت تواجه تحدياً أكبر يتمثل في ترميم سمعة المنظومة الرقمية المستخدمة للتوجيه الجامعي. فمن المفروض أن يثق الجميع بهذه المنظومة باعتبارها الباب الذي يقف أمامه الشباب الناجح في دراسته وهو يتطلع ليخطو من خلاله أول خطواته نحو المستقبل. لا تحتمل هذه المنظومة إرباكاً وهي التي تعاني أصلاً من إشكالية جوهرية تتمثل في عدم تطابق التخصصات الجامعية في كثير من الحالات مع متطلبات سوق الشغل. وليس هناك دليل أفصح عن استمرار هذه الإشكالية من كون ثلث العاطلين عن العمل اليوم هم من خريجي الجامعات.

ولم تكن الإدارات الحكومية في حاجة لاضطراب منظومة التوجيه الجامعي لتكشف للجميع عدم قدرتها على تدارك أخطائها دون الحاجة إلى تدخلات من الرئيس والوزير. هذا الخلل معروف ومتوقع. الجديد فقط هو أن الكثيرين في المجتمع التونسي اليوم اكتشفوا بالإضافة لذلك أن الآلية الوحيدة التي يمكن أن تربط فعلياً بين الإدارة والمواطن وأن تحمل صوت كل مغلوب على أمره إلى صاحب القرار هي المنصات الإلكترونية وفي مقدمتها "فايسبوك". بدونها تبقى هنات الإدارة وغرائبها في غياهب الملفات والرفوف بينما تحاول فيه الحفاظ على الوهم بأن منظوماتها معصومة عن الخطأ.