.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
هل المطلوب من مصر أن تُطلق حرباً شاملة ضد إسرائيل؟ وإذا فعلت، فمن سيقف معها؟ وأين حلفاؤها؟ وهل سيظهر مَن يتهم الحكم في مصر حينها بالتهوّر ويحمله مسؤولية تدمير مقدّرات البلاد؟ وهل سيقف أعضاء تنظيم "الإخوان"، الذين يطالبون اليوم بهذه الحرب، إلى جانب الجيش المصري، أم سيتحولون، كالعادة، إلى خنجر في ظهر الدولة؟ علماً أن هؤلاء لا يحركهم حرص على الفلسطينيين، بل رغبة دفينة في تصفية حساب مع الحكم المصري، حتى لو كان الثمن استمرار المأساة في غزة.
ولو دخلت مصر الحرب اليوم، لسمعناهم غداً يصرخون: لماذا ورّطتم البلاد؟ ولماذا استنزفتم الاقتصاد؟ ولماذا تخليتم عن العقل؟ مواقفهم لا تُبنى على مبادئ، بل على خصومة تاريخية مع الجيش المصري، الذي كبَح جماحهم لعقود، وعندما وصلوا إلى الحكم وحاولوا "أخونة" الدولة، انحاز إلى الشعب وأطاحهم.
يريدون من مصر أن تخوض معركة انتحارية، بينما حلفاؤهم يكتفون بالصمت المريب، يقطعونه بخطابات تحريضية موجهة إلى الشعوب الأخرى لا إلى أنفسهم. أين تلك الجيوش التي روّجوا لها عشرين عاماً؟ ولماذا لا يطالبون أي دولة غير مصر؟ وكأن مصر هي الطرف الوحيد المطالب بدفع ثمن جموح "حماس" وحساباتها الخاطئة.
المصريون لا يحتاجون إلى من يذكّرهم بدورهم القومي؛ فقد خاضت مصر جميع حروبها الكبرى دفاعاً عن فلسطين، وقدّمت آلاف الشهداء، ودفع شعبها من دمه واقتصاده واستقراره وسمعته، وتحمّل لعقود أعباء القضية، بينما كانت قوى "الممانعة" تخوض معاركها على الشاشات فقط، حتى ترسخ في الأوساط المصرية اعتقادٌ أن "الإخوان" يتمنون حدوث تطور دراماتيكي داخلي، ربما يعيدهم إلى الساحة، وإن من السهل أن يطالبوا مصر بالقتال، لكن من الصعب أن يقدموا هم أي فعل عملي لإنقاذ أهل غزة، ومن السهل اتهامها بالتقصير، لكن من الصعب الاعتراف بأنهم لم يقدّموا شيئاً سوى الشعارات.
التصريحات المصرية، وآخرها ما أدلى به محافظ شمال سيناء رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، تؤكد أن مصر ليست عاجزة، لكنها عاقلة، وليست جبانة، لكنها تفهم قواعد اللعبة الدولية، وليست صامتة، لكنها لا تصرخ بلا جدوى. فالدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل يعني صداماً مباشراً مع الولايات المتحدة والغرب، ويعني أن تقف مصر وحدها في الميدان، بينما يكتفي الآخرون بالبيانات والمؤتمرات، وإن مهمة الجيش المصري هي حماية الحدود، والتصدي للتهديدات، والحفاظ على الأمن القومي، لا الانجرار إلى معارك بلا حساب، علاوة على أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى مواقف نزيهة، فالدم في غزة ليس وقوداً لصراعات المعارضة مع الأنظمة، ولا مادة خاماً لحملات تستهدف ضرب المنطقة بفوضى شاملة.
اللافت أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصاعد التحذيرات المصرية من "أي محاولة للمساس بالحدود أو تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء"، بعدما لوحظ أن خطاب "الإخوان"، بحماقته وتحريضه، يتقاطع تماماً مع المصلحة الإسرائيلية، التي تريد استنزاف مصر وتحويل حدودها الشرقية إلى مأساة دائمة من النزوح والتوتر، بحيث تُشل قدراتها وتضعف جبهتها الداخلية، كأن الطرفين، رغم العداء المزعوم، يلعبان في الملعب نفسه ويخدمان السيناريو ذاته لتحويل سيناء إلى مسرح تهجير وصراع بلا نهاية.
يعرف المصريون أن أي حرب اليوم لن تكون كتشرين الأول/أكتوبر 1973، بل فوضى مسلحة بلا جبهات واضحة، تختلط فيها الميليشيات بالتنظيمات الإرهابية، وتضيع فيها الحدود بين مدني ومقاتل، وأن الهدف هو إنهاك مصر بتهجير جماعي وضغط أمني واقتصادي كارثي، حتى يسيل الدم في العريش ورفح والشيخ زويد، فتتصدع الجبهة الداخلية، ويخرج "الإخوان" من مخابئهم ليقدّموا أنفسهم "منقذاً"، ولهذا، يزداد الاعتقاد الشعبي أن تحريضهم ليس غيرة على غزة، بل استثمار في مأساتها، وأن منصاتهم لا تختلف في جوهرها عن منصات إسرائيلية تروّج لسيناريو "الوطن البديل"، فكلاهما يريد سيناء ميدان حرب ونزوح وخراب.
والمفارقة أن "الإخوان" الذين يذرفون دموع التماسيح على أطفال غزة، هم أنفسهم من يرقصون طرباً إذا ربح الاحتلال نقطة على حساب مصر، حتى لو كان ذلك عبر تهجير الفلسطينيين إليها! يصرخون: المقاومة أولاً، بينما في الخفاء يوزعون الأدوار مع من يخطط لاقتلاع شعب من أرضه، يدّعون العداء لإسرائيل، لكنهم في الواقع شركاء في السيناريو ذاته ولكن بشعارات مضللة.