.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كأن إيران تعمل على تشكيل مجلس حرب، بقيامها بتفعيل مجلس الدفاع الوطني الذي يعمل تحت مظلة مجلس الأمن القومي والذي تم تعطيله منذ انتهاء حربها مع العراق 1988، لكن حقيقة الأمر أنها مع حكومة مسعود بزشكيان تمضي نحو انتهاج سياسة أكثر واقعية وعقلانية بعد الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على أراضيها!
فإن مهمة هذا المجلس هي تضييق الفجوة بين الحكومة وأجنحة النظام المختلفة في خطوة تبدو دعماً لجهاز الخارجية الذي يتفاوض مع الغرب، بعدما أقر برلمانها أن التعامل مع ذلك الملف يتم من خلال مجلس الأمن القومي، أي تكون مهمته وضع السياسات ويقوم جهاز الخارجية بتنفيذها.
وكان تعيين علي لاريجاني أميناً لمجلس الأمن القومي بدلاً من العسكري على أكبر أحمديان مؤشراً على تلك الواقعية، خاصةً أنها خطوة قد أغضبت المتطرفين. فإن كان إحياء مجلس الدفاع مهمته إدارة أية حرب محتملة دون عوائق أو تأخير في اتخاذ القرارات الحاسمة، لكن وجود شخصية معتدلة على رأس المجلس المسؤول عن إدارة المفاوضات مع الذرية الدولية والقوى الغربية مؤشر على رغبة طهران في نجاح ذلك الحوار وتجاوز عقبات الماضي، خاصة وأنه لطالما دارت أسئلة حول مدى موافقة رأس النظام (المرشد الأعلى) والبرلمان على المفاوضات النووية التي تجريها الحكومة مع العالم الغربي، وكان تقييم السياسة الخارجية يتم من خلال هذه المسألة!
ويبدو أن النظام قد قبل بالسياسة الواقعية التي تنتهجها حكومة بزشكيان، ويسعى بإعادة هيكلة ذلك المجلس إلى تجاوز مسألة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين حول طبيعة السياسة الخارجية، إذ بينما انتقد عضو مجلس الأمن القومي، سعيد جليلي، المشهور برئيس حكومة الظل، العودةَ للحديث عن التفاوض مع الغرب، وذلك وسط مؤشرات عن احتمال استئناف المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة، مشبهاً ذلك بعبادة قوم موسى لعجل السامري بعد أن آمنوا برب موسى! لم تتوقف الانتقادات التي تعرض لها عند الإصلاحيين، بل هناك جانب من التيار المحافظ انتقد تصريحاته، معتبراً إياها لا تنال من حكومة بزشكيان الإصلاحية فحسب، بل تنال أيضاً من شخص المرشد الأعلى الذي أمر بتعديلات الأمن القومي وأن القرارات المتعلقة بالمفاوضات يتم اتخاذها في إطار توجيهات رأس النظام.
فقد ذهبت صحيفة "خراسان" المحسوبة على التيار المحافظ والمقربة من معسكر رئيس البرلمان المحافظ، محمد باقر قاليباف، إلى وصف جليلي بالمفلس السياسي الذي خسر قاعدته، وأنه قد أساء للإيرانيين بتشبيههم بقوم موسى، وأن قياسه خاطئ لأن أولئك فعلوا ذلك بعد غياب موسى عنهم، أما بالنسبة لإيران فإن القيادة لم تغب عنها وسياسة التفاوض تتم تحت توجيه مرشدها!
ويمكن القول إن إيران التي انتقل صراعها مع إسرائيل إلى شكل عملي ومباشر، تستفيد من تجربة باكستان التي لديها عداء أيضاً مع جارتها الهند حليفة أميركا وإسرائيل، فإن هذه الدولة التي عانت من العقوبات الأميركية بسبب برنامجها النووي، انتهجت سياسة واقعية في تعاملها مع الولايات المتحدة، فقد استغلت أحداث 11 أيلول/سبتمبر للتخلص من تلك العقوبات وتحقيق التقارب مع واشنطن. بل ورغم علاقتها القوية مع الصين تستغل الآن الغضب الأميركي من الهند التي تتقارب مع روسيا وتقوم بتعزيز موقعها ضمن السياسة الأميركية تجاه منطقة جنوب آسيا.
وإذ تبدو الرحلة الأخيرة للرئيس الإيراني إلى إسلام آباد خطوة في انتهاج السياسة نفسها، فإن تفعيل التجارة والاستثمارات الأميركية في باكستان في حاجة إلى إيران أيضاً، ولذلك فإن أي اتفاق محتمل بين إيران وأميركا لن يخلو أيضاً من صفقات تجارية واستثمارية كبرى!