.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
دوّن المستشرق الأميركي مورو بيرغر في كتابه "العالم العربي اليوم" نقاشاً مثيراً للاهتمام دار بين مبشر مسيحي غربي و"جمهور من العرب"، من دون تحديد جنسيتهم. كان المبشر قد سرد الآية 21:28 من إنجيل متّى في الكتاب المقدس، وهو مثل الابنين اللذين يأمرهما والدهما بالعمل في الكرم، فالأول يجيب بالموافقة ثم يتجاهل الطلب، والثاني يجيب بالرفض ولكنه بعد ذلك يؤدي العمل. ولصدمة المبشر، فقد توحّد جمهوره العربي في تأييد الابن الأول.
علّق بيرغر أن العرب "يقدّسون المثل العليا" و"يتشبثون بها معنوياً" على حساب الواقعية، ففضّلوا الابن الأول، الذي أعلن الطاعة الشفوية فقط لوالده، وحفّه بالاحترام والتبجيل الظاهريين، وإن لم يخدمه، على حساب الابن الثاني الذي خدمه حقاً.
نشر بيرغر استنتاجه هذا في 1962، إلا أنه لو نهض من قبره في 2025 لوجد القوم بالعقلية نفسها؛ يحتفون بالابن الأول الذي قال ولم يفعل، فلا تعنيهم أصلاً الإنجازات الملموسة، ولا تهمهم النتائج.
لقد هاجم "الإخوان المسلمون" وجمهورهم المؤدلج، الفنانين العرب المشاركين في الدورة المنتهية أخيراً من مهرجان جرش، إذ كانوا يطالبون بمنع الحفلات، وكل مظاهر البهجة، تضامناً مع غزة. بالطبع، هم لم ينبسوا ببنت شفة على الجانب الآخر عن مهرجان قرطاج في تونس الشقيقة، والمُقام خلال الفترة ذاتها، أو عن إحياء محمد عساف، ابن خان يونس، لإحدى حفلاته، ولكني سأتظاهر بعدم ملاحظة تلك الازدواجية، أو تزامنها مع الحملة الشعواء التي يشنونها ضد دول عربية مثل الإمارات والأردن ومصر.
لقد تمنّى الجمهور "الإخواني" أن يعلن الفنانون العرب "العصيان" على مهرجان جرش، وأن يقفوا على المنابر الإعلامية ليقولوا "لا" للدعوة، وأن يصدروا البيانات الطويلة المنددة بالمهرجان، وأن يصروا على تعطيل الحياة بأسرها. تمنوا كل ذلك على رغم علمهم بأن جزءاً كبيراً ومعتبراً من ريع حفلات جرش خُصص أساساً للتبرع لغزة.
تخيلوا يا رعاكم الله، لقد فضّل الجمهور "الإخواني" ألا تُجمع الأموال إطلاقاً، وألا تُرسل إلى المحتضرين والمنكوبين، وألا تغيث الجرحى والمرضى، في مقابل أن يشنّف الفنانون العرب آذانهم بالقليل من "الجعجعة" التي يعشقون، وأن يطربوهم بمواويل "الكلام الرخيص". لقد فضّلوا ألا تُسعف غزة طالما يتخذ الفنانون العرب "موقفاً" شكلياً بمقاطعة المهرجان، والاكتفاء بالمزايدة الأخلاقية عليه من بعيد، ريثما يبعث منظموه بالتبرعات الحقيقية إلى القطاع. و"بالناقص" من المعونات الغذائية على كل حال، فبطون الغزاويين سيشبعها إحجام المطربة فلانة عن الغناء.
لا عجب أن يرى القوم الانتصار في القول لا في الفعل، وفي الاستعراض لا في الإنجاز، وفي إفشال المهرجان لا في الاستفادة من توافد نصف مليون زائر عليه، فالجمهور "الإخواني" مدمن، "هروينه" الظواهر الصوتية الفارغة، والشعارات الرنانة الجوفاء، تماماً كمن وصفهم بيرغر قبل أكثر من نصف قرن.
بربكم، هل ما زال ثمة من يصدّق أنهم يكترثون لفلسطين؟