كيف تفجّر عاصمة؟

كتاب النهار 05-08-2025 | 06:51
كيف تفجّر عاصمة؟
لا بد من قرار اتهامي بحقائق ساطعة وواضحة، لأنّ الوقت حان لأن يعرف اللبنانيون الوصفة الخطرة التي أمعنت تدميراً بعاصمتهم! ولا بد من سلطة تعي حاجة لبنان إلى أقوال تتطابق مع الممارسة!
كيف تفجّر عاصمة؟
دائماً هناك مجرم يستخف بالعاصمة والبلد والشعب. (أ ف ب)
Smaller Bigger

السلطة اللبنانية الحالية غير صادقة، بكل مكوّناتها، وهي تتحدث عن رعايتها للتحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت.

الدليل ينطق ضد هذه السلطة بوضوح ساطع، إذ إنّ الأجهزة الأمنية، وهي المرآة التي تعكس جدية كبار المسؤولين، لا تزال تتلكأ في تنفيذ عدد من مذكرات التوقيف التي سبق أن أصدرها المحقق العدلي طارق البيطار ضد مجموعة من الأشخاص وأشهرهم على الإطلاق المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل، والمعاون السياسي لرئيس "تيار المردة" يوسف فنيانوس.

وكان يفترض بالمسؤولين اللبنانيين ترجمة كلماتهم الممتازة بسلوك طبيعي، يُظهر احترامهم لعمل المحقق البيطار الذي دفع أثماناً باهظة في مقاومة "زمن" وفيق صفا بعدما هدده باسم "حزب الله" الذي عاد ونفذ "غارة الطيونة" لتخيير اللبنانيين بين الحقيقة في ملف المرفأ، واستقرار السلم الأهلي!

ويحتاج لبنان كله، قبل الضحايا وذويهم، إلى قرار اتهامي ينطق بالحقائق المبسطة كما هي، لأنّ في طياتها تكمن الأجوبة عن التفجيرات المتمادية التي استهدفت العاصمة اللبنانية، مرات ومرات!

انفجار المرفأ قد يكون الأضخم ولكنه نتاج انفجارات خطرة أخرى، استهدفت بيروت، تباعاً.

هذه العاصمة التي، وبعدما وضعت الحرب المسمّاة أهلية أوزارها، سبق ودمرها اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومجموعة واسعة من الشخصيات السياسية والصحافية والفكرية، واعتصام شلّها لأشهر طويلة، وغزو عسكري في السابع من أيار / مايو وانهيار مصرفي، ونهب منظم للخزينة والناس.

وبهذا المعنى، يعتبر انفجار مرفأ بيروت حلقة في سلسلة، لا بل نتاج طبيعي لمسار تدمير العاصمة اللبنانية!

وليس قانون الصدفة وحده من جعل توقيت انفجار مرفأ بيروت يسبق بساعات إصدار المحكمة الخاصة بلبنان قرارها في ملف اغتيال الحريري، بخصوص متهمين ينتمون جميعهم إلى "حزب الله"!

انفجار مرفأ بيروت همّش المساءلة في ملف اغتيال رفيق الحريري، لا بل جاء، وكأنّه ترجمة لتهديدات سابقة، بأنّ المحاكمة في ملف الحريري سوف تنقلب ويلاً ومآسي وكوارث على اللبنانيين!

كل ما عرفه اللبنانيون عن التحقيقات الجارية في أضخم تفجير استهدفهم، هو الحديث عن مجموعة واسعة من المهملين. مجموعة تضم رؤساء ووزراء وقادة وموظفين كباراً.

مجموعة تغاضت عن تقارير تفيد بمخاطر أن يحدث ما حدث، وسهرت على توضيب كمية هائلة من مواد تستعمل في التفجيرات، ضمن بيئة خطرة للغاية، وعهدت بها إلى أشخاص لا يفقهون شيئاً عنها وعن شروط السلامة!

وكأنّ جميع المهملين كانوا شركاء في صناعة أضخم عبوة ناسفة على الإطلاق والإقدام على تفجيرها!

كم تشبه مقدمات انفجار مرفأ بيروت حالة لبنان. لقد سلمه المهملون لمجموعة لا تفقه شيئاً ولا تقيم اعتباراً لشيء أو لأحد!

دائماً هناك مجرم يستخف بالعاصمة والبلد والشعب، ويسهر على إهدار أموال الناس ويفرغ خزينة الدولة ويملأ هواء العاصمة المفتوحة على البحر بالسموم القاتلة، ويحوّل الطرق إلى كمائن يومية، ويتعاطى مع الشوارع كما لو كانت غابة يسهل فيها اصطياد خصومه، ويحوّل اللبنانيين إلى رهائن ليحمي سلاحاً غير شرعي، باسم مقاومة هنا ومن أجل مغامرة هناك، وباع مستقبلهم على طاولة القمار الحمراء!

انفجار المرفأ مثله مثل أخذ لبنان إلى الحرب… ولم يكن ممكناً التقدم نحو العدالة، بضع خطوات، لو لم تسقط نتائج الحرب المستكبرين على الشعب والجيش والدولة. لو لم يسقط هؤلاء لما كان قد استؤنف التحقيق، لأنّ العدالة ضحية مثلها مثل بيروت، مثل لبنان، مثل السيادة!

لا بد من قرار اتهامي بحقائق ساطعة وواضحة، لأنّه حان الوقت أن يعرف اللبنانيون الوصفة الخطرة التي أمعنت تدميراً بعاصمتهم! ولا بد من سلطة تعي حاجة لبنان إلى أقوال تتطابق مع الممارسة!