.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عبارة "المجتمع المدني" في الحالة الجزائرية لا تعني عملياً استقلال مثل هذا المجتمع عن أجهزة الدولة الأيديولوجية، بل هو أحد مكوناتها ولذلك نجد الكثير من الأحزاب المعارضة الجزائرية تشك في وجود أي مجتمع مدني له استقلاليته في الفضاءين السياسي والاجتماعي...
قبل مغادرتي الجزائر إلى بريطانيا هذا الأسبوع، وبعدما تابعت عن كثب طيلة شهر تموز/يوليو كثيراً من المستجدات الاجتماعية والسياسية والثقافية، كانت رئيسة المرصد الوطني للمجتمع المدني الدكتورة إبتسام حملاوي قد أشرفت على لقاء سمّي بالتشاوري عقدته بمحافظة بني عباس مع نخب من المجتمع المدني وذلك بهدف تنشيط العمل الجمعوي وتفعيل التنسيق مع الجمعيات الجهوية.
ففي هذا اللقاء التشاوري ألقت الدكتورة حملاوي كلمة أمام الحاضرين قالت فيها إن "المجتمع المدني الجزائري يعيش الآن عصره الذهبي ".
وفي هذا الخصوص، طرح مراقبون جزائريون متخصصون في شؤون جمعيات وروابط المجتمع المدني بمختلف تخصصاتها هذا السؤال المحوري: هل يمكن وصف هذه الروابط والجمعيات، التي أنشأتها السلطات الوطنية وما فتئت تشرف على نشاطها وتمول ندواتها وتتحكم في شتى فعالياتها، بمؤسسات المجتمع المدني، أم أنها ليست كذلك وإنما هي جزء عضوي من المجتمع السياسي المهيكل والمقنن من طرف أجهزة الدولة؟ ثم لماذا تستثني رئيسة المرصد الوطني الأحزاب الجزائرية غير المرتبطة بالنظام الحاكم والتي يعتبر بعضها الجزء القيادي للمجتمع المدني؟
وفي الواقع فإن المرصد الوطني للمجتمع المدني الجزائري هو "أحد الهيئات الإدارية الاستشارية حديثة التأسيس في الجزائر عقب التعديل الدستوري لعام 2020. وقد حُددت مهامه وتكوينه وعمله وتنظيمه بموجب المرسوم الرئاسي رقم 139-21، الصادر في 12 نيسان/ أبريل 2021، والمُعدَّل والمُكمَّل بالمرسوم الرئاسي رقم 349-23"، ويعني هذا أن هذه الهيئة هي في الحقيقة جزء من المجتمع السياسي التابع لرئاسة الجمهورية الجزائرية والذي يعمل وفقاً لمحددات المرسوم الرئاسي.
والجدير بالذكر هنا هو أن القانون الجزائري يمنع جميع الجمعيات والروابط المدعوة بالمدنية من تلقي التمويل الخارجي. وفي هذا الإطار أيضاً فإن علاقاتها بالعالم الخارجي تخضع أيضاً لتوجيهات وتدخلات أجهزة الدولة منها جهاز المرصد الوطني للمجتمع المدني.
وفي الحقيقة فإن تنظيم السلطة الجزائرية للمجتمع المدني بعد العشرية الدموية يرمي ضمنياً إلى الإشراف على تحركات المنخرطين في الجمعيات والروابط من جهة، ويذكرنا من جهة أخرى بالقوالب التي كان يتعامل بها حزب جبهة التحرير الوطني مع كافة الاتحادات المهنية والثقافية والمنظمات الجماهيرية مثل اتحادات العمال والنساء والفلاحين والكتاب والفنانين والمهندسين وهلم جرّا.
في ضوء ما تقدم، فإن عبارة "المجتمع المدني" في الحالة الجزائرية لا تعني عملياً استقلال مثل هذا المجتمع عن أجهزة الدولة الأيديولوجية بل هو أحد مكوناتها، ولذلك نجد الكثير من الأحزاب المعارضة الجزائرية تشك في وجود أي مجتمع مدني له استقلاليته المادية والمعنوية في الفضاءين السياسي والاجتماعي الجزائريين.
والحال، فإن أحزاب المعارضة حسب التقاليد السياسية الديموقراطية ليست موالية للسلطة بل هي جزء قيادي من المجتمع المدني، ولكن في الحالة الجزائرية، وذلك منذ الاستقلال إلى الآن، تميزت التعددية الحزبية بالانقسام إلى موالاة ومعارضة، وفي هذا المناخ لم يبادر أي حزب معارض أن ينشئ وينظم ويفعّل ويموّل جمعياته الخاصة به لتعمل باستقلالية وحرية كاملتين، وطنياً وإقليمياً وعلى المستوى الدولي، بغية تجسيد برامج حزبها ورؤيته.