.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في مقالة للكاتب الإسرائيلي نحمان شاي ظهرت في صحيفة "معاريف" مؤخراً، يندب الكاتب فقدان سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية لمصلحة المستوطنين. يبدو نحمان شاي مصدوماً تماماً من هجمات ميليشيا المستوطنين على موقع لجيش الاحتلال، الذين تجاوزوا إحراق بيوت الفلسطينيين وممتلكاتهم، والإغارة على القرى وإطلاق النار على السكان واقتلاع الأشجار المثمرة وسرقة المواشي واحتلال ينابيع المياه وإغلاق الطرق... إلى مهاجمة مواقع الجيش والجنود.
يكتبون في الصحافة الإسرائيلية كثيراً حول "ميليشيا المستوطنين" في الضفة الغربية، وتصاعد قوة مجموعات مثل "تدفيع الثمن" و"فتيان التلال"، ويقلقون بشدة من "تجاوزاتهم" التي تتضمن إطلاق النار على الفلسطينيين وإحراق القرى والحقول والممتلكات.... ولكنه قلق عائلي مبني على خوفين، أن يمتد هذا العنف إلى الداخل الإسرائيلي في مرحلة ما، وعلى هيبة "الدولة" والجيش. ليس هناك فلسطينيون في هذا القلق، ثمة اتفاق على إخفائهم من المشهد، بحيث يبدو الأمر جدلاً داخلياً تماماً حول الأدوات، ومصدر أوامر القتل.
في المقالة، وهي نموذج لا أكثر، من جدال متواصل في الإعلام الإسرائيلي، شكّل تعرض الميليشيات الاستيطانية المسلحة للجنود وقواعدهم ما اعتبره الكاتب خطاً أحمر، وإشارة مقلقة إلى "فقدان السيطرة"، الخط الذي تجاوزه المستوطنون، ما يشير مواربة إلى أن ما "دون ذلك" من جرائم بحق القرى والتجمعات الفلسطينية هي أمور تقع خلف الخط الأحمر وتكاد لا تبعث على القلق.
يبدو الأمر هنا أقرب إلى خلاف داخل القبيلة، ليس فيه طرف ثالث، هناك "إنكار" متدحرج يرافق كل جريمة، خلاف على "السيطرة" بين "دولة تل أبيب" التي تأسست في عام 48 وتحتفل بـ"استقلالها" سنوياً، وهو "استقلال" مبهم تماماً لو استثنينا قتل السكان الفلسطينيين وتهجيرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم الشخصية، البيوت، الأثاث، الحقول، المصانع... والبنى التحتية التي أسسوها عبر مئات السنين، الطرق والموانئ وسكك الحديد والمطارات والمراكز الثقافية والمدن.... وبين "دولة مجلس المستوطنات في الضفة الغربية" التي أصبحت شبه جاهزة.
الحقيقة التي يمكن أن نخرج بها من المقالة تتجاوز مقاصد الكاتب، وتذهب أبعد من أسئلته و"إنكاره" لحقيقة أن الدولة هي المستوطنين، وأن ما يحدث هو سياسة رسمية معلنة. آخر تصويت للكنيست قبل خروجه للعطلة الصيفية كان الموافقة على ضم الضفة الغربية.
الدولة هي التي تهاجم القرى وتحرق البيوت الفلسطينية، والدولة هي التي هاجمت الكتيبة، وقائد الكتيبة هو الذي يبدو خارج سيطرة الدولة، ويتصرف ضمن أوامر قديمة، ويتجاوز أوامر وزيره وتصريحاته، وزير الجيش كاتس، والوزير الثاني في وزارة الجيش سموتريتش الحاكم المكلف من قبل رئيس الحكومة، ضمن اتفاق موقع بالضفة الغربية، ووزير الأمن القومي والمسؤول عن الشرطة والسجون بن غفير، هذه هي الدولة وهؤلاء هم الذين يقودون الدولة... رغم أنه يصعب فعلاً اعتبار أن قائد الكتيبة وجنوده يقومون بمحاولة حماية التجمعات الفلسطينية، أو التعامل معه كضحية لعنف المستوطنين، بقدر ما يمكن النظر إليه كمنفذ غير مرضي عنه للأوامر، ضابط كان نائماً في نوبته ولم يتسلم الأوامر الجديدة.
هذه هي "الدولة" التي يقلق عليها نحمان شاي وإعلاميون وسياسيون يحاولون الانزياح عن الجريمة في الإعلام الإسرائيلي.
"الإنكار" هو الملاذ الذي يلجأ إليه بعض الإسرائيليين كلما واجهوا صورتهم في المرآة، لا فلسطينيون يُقتلون وتحرق بيوتهم، هناك مجموعات من المراهقين اليهود الطائشين الذين يتجولون في الضفة وهم يحملون بنادق طويلة وزجاجات حارقة.
"الإنكار" الذي يمنح الإبادة وقتاً أطول ويمد القاتل بأسباب دائمة، ويسمح في الوقت نفسه بالبقاء داخل القطيع.
"الإنكار" هو الوسيلة الأمثل لإدامة المقتلة التي لم تحدث!
بين المشاركة المباشرة في حفل القتل واحتضان القاتل، يختار بعض "الليبراليين" في إسرائيل "الإنكار" الذي يمنح ممراً للقاتل للإمعان في جريمته، مثل أن ينكر 47% من الإسرائيليين وجود جوع في غزة، والأمر بالنسبة لهم ليس إلا دعاية مضللة لـ"حماس"، حسب آخر استطلاع رأي لـ"معاريف" هذا الأسبوع.
لذلك ستبدو أي محاولة لتغيير هذا المجتمع الذي يتماثل مع القاتل حادثاً خارج السياسة وخارج الوساطة وخارج الحكمة تماماً.