إنّها "اللعنة الشرقيّة" في أنطاكيا وسائر المشرق

كتاب النهار 01-08-2025 | 05:50
إنّها "اللعنة الشرقيّة" في أنطاكيا وسائر المشرق
يا قلبي، إنّي أناديكَ أنْ تنجّي أحدًا، والملائكة الأطفال، والأمّهات، والجوعى، والثكالى، والدموع، والنظرات
إنّها "اللعنة الشرقيّة" في أنطاكيا وسائر المشرق
بريشة الفنّان فادي يازجي.
Smaller Bigger

وهؤلاء الجوعى، وهم أرواح الله، وهم أشعارُ الملائكة الأطفال، والموسيقى الجنائزيّة، وهم الرسومُ المكلومةُ، يا قلبي، وأيّ أعجوبةٍ وأيّ ملاكٍ وأيّ إلهٍ وليس يرأف بهم، وأيّ قمرٍ وينبوعٍ وشمسٍ، ولم يعد يا قلبي طحينٌ يُجرَش، ولا خبزٌ يصل ويكفي، ولا طبيخٌ، ولا نقطةُ مصلٍ، ولا أنينٌ، ولا نياطٌ، ولا شجرٌ، ولا غيمةٌ، ولا كتابٌ، ولا ترابٌ، ولا حنانٌ، ولا أمٌّ، ولا رحمٌ، ولا ثيابٌ، ولا أضرحةٌ، ومَن يكفر ليس مَن يُنتَحَر ويُذبَح كشاةٍ تُساق إلى ذبحٍ، وليس هو مَن خيالًا يصير لروحٍ مضت، وهيكلًا لجثمانٍ لمقتلةٍ لعشبةٍ جُزّت من أصلها من روحها، وإنّي لا بدّ أنْ أكفر، لا بدّ أنْ أختنق لاستحالة أنْ أمضي قدمًا إلى شهادتي، وليس للحالة العموميّة، ولا لحالتي، من شفاءٍ يا قلبي، وليس من دواء.

وإنّي ناظرٌ يا قلبي، وناظرٌ بعينيَّ هاتين، إلى الهمجيّة الراهنة، إلى المصير الشرقيّ الأرعن، إلى البشريّة، والمعمورة، وهنا وفي كلٍّ موضعٍ، حيث يتقدّم هؤلاء الزاحفون من كلِّ صوبٍ وحدبٍ، ومن كلِّ فجٍّ وعميقٍ، ومن كلِّ وهدةٍ وساحٍ، ومن كلِّ أكمةٍ وبابٍ ومفتاح، وليس سوى همجٍ بأفئدةٍ ممسوخةٍ وهاماتٍ ليست على صورة آدم بل مسوخه، وليس مَن يظهر كعوسجةٍ ملتهبةٍ في الهلاك الجمعيّ، وليس يا قلبي سوى هؤلاء، سوى هؤلاء، عزّلًا، وجوعى، وهذه الطوائف، وأضحيات الطوائف، وملوك الطوائف، والفلول، والرعايا، والعشائر، والقبائل، والجماعات، والإتنيات، والأعراق، والمذهبيّات، والأكثريّات، والجغرافيات، والهوّيّات، و"الهواجس الأقلّيّة"، وهي الدفينة المؤبّدة، والنائمة والمدفونة والمطمورة، والمقيمة تحت سابع أرض، والساهرة، والمبحلقة، والمتماوتة، والميتة، وفجأةً كيف تتفتّح، وكيف تنفض الركام، وكيف فجأةً تستفيق أكفانها، وفجأةً كيف، فتتأهّب، وتتحفّز، وتتوثّب، وتهتف، وتولول، وتسفر، وتقفز من الخرافات، من التخريفات، من التعاويذ، من الهذيانات، من الهلوسات، من الذاكرات، من المضاجع، من المنامات، من الأضغاث، من الكوابيس، من الخزائن المحكمة الغلق، من التوابيت، من المقابر، من الضرائح، وفجأةً تمزّق أستارها، وتشهر فجأةً فجأةً تشهر عريها، وتشمّر عن عوراتها، وضغائنها، وعصبيّاتها، وغرائزها، ومخاوفها، ومكبوتاتها، الفرديّة والجماعيّة، وعربداتها، وكيف تهبّ كما لو في مذبحة، في مجزرة، في كارثة، وفي مقتلة، ولا أحد، ولا ملاك يمكنه أنْ يتفوّه، ولا أنْ يحول، وأنْ يمنع، ولا حكمة يُحتَكَم إليها، ولا منارة تدلّ إلى زورقٍ إلى ميناء، ولا أعجوبة تردع، ولا دراية، ولا ذرّة رحابة وتعقّل، ولا الأرامل يستطعن، ولا الأيتام، ولا الثكالى، ولا الدموع، ولا الجيرة، ولا المآتم، ولا الأعراس، ولا فناجين الشاي والقهوة، ولا الخبز والزيتون، ولا نبعة الماء، ولا أحواض الزهور، ولا الحبق والياسمين والفرفحين والزوفى والمردكوش والناردين، ولا الموت، ولا القيامة، ولا اليأس، ولا الأمل، ولا حتّى العدم الذي ليس بعده رجاء.