زياد؟؟ لم يكُن وداعاً

كتاب النهار 01-08-2025 | 05:45
زياد؟؟ لم يكُن وداعاً
مأْتمه لم يكُن وداعاً بل وديعةً تَعِدُ الناس وتُعِدُّهُمُ اليومَ وكلَّ يوم، بأَنَّ من غابَ جسدًا لن يَغيبَ فنُّه
زياد؟؟ لم يكُن وداعاً
حشود جاءت تودع الفنان الراحل زياد الرحباني التفت حول السيارة التي تحمل نعشه لدى خروجها من المستشفى.
Smaller Bigger

ودَّعُوهُ كأَنَّه ابنُهم. كأَنَّه أَخوهُم. كأَنَّه يخصُّ كلَّ واحدٍ منهم. صفَّقوا لخروج نعشه من المستشفى في بيروت. صفَّقوا لخروجه من الكنيسة في بكفيا. كثيرون كانوا صادقين فلم يتكلَّموا. عبَّروا بِصَمْتهم. بذُهولهم. بصَدْمتهم. بفجيعتهم. جمَعَ حول جثمانه كلَّ فريقٍ وفئةٍ ونَزعة. سقَطَت في جنازته الفوارقُ السياسية والاجتماعية والفنية. مَن كانوا يحبُّونه اجتمعوا على الحزن، ومَن لم يحبُّوه اجتمعوا على التقدير. لم يكن عاديًّا أَن يموتَ مبدعٌ استثنائيُّ المواهبِ في مستواه وحجمه وحضوره.

واكبُوه يُنتِج، ولو بتَقَطُّع. وبرغم التقطُّع كان غزيرًاً: مسرحاً وأُغنياتٍ وموسيقًى وكتاباتٍ ساخرةً ومتابعاتٍ صحافيةً وبرامجَ إِذاعية. كتب بلسان الناس فأَحبَّه الناس. جَرُؤَ على كلِّ "تابو" فكأَنَّه جَرُؤَ عنهم جميعًا. "قوم فُوت نامْ، وصير حْلامْ، إِنو بلَدنا صارت بلَد... قوم فوت نام، وهالإِيام حارَة بيسكِّرها ولَد".. كسرَ القوالب المأْلوفة، وفرَّ إِلى قلوب الناس، سبَّاقًا برؤْيته الثاقبة في نقْل همومهم، يُخْرج صرخاتهم من مستَنْقَع القبول والانكسار. وكلُّ هذا ببساطة وعفوية. لم يلبس قناع الفنان بل أَبقى وجهه سافرًا، لأَنه حقيقيّ. لذا احتشَد المئاتُ لوداعه، كأَنهم في مأْتمِ نسيبٍ لهم، قريبٍ، حبيب.

جنازتُه الحاشدةُ جدًّا أَخذَتْني 39 سنة إِلى الماضي، إِلى جنازة عاصي في أنطلياس (22 حزيران 1986). يومَها الْتَمَّ أَيضًا لبنان كلُّه حول نعشه، بشعورِ أَنَّ عظيمًا قَضى. وكان مأْتمه مهيبًا. الجامع الواحد بين المأْتَـمَـين: صمْتُ فيروز، الأُسطورة الحية التي تعاقبَتْ عليها المآسي الهائلة. صدَمَتْها. ضربَتْها كما العواصفُ والرعودُ والصواعق تَضربُ قمَمَ الجبال. وهي بقيَت قويَّةً خلْف صمْتها، صامدةً كما قممُ الجبال، في هَيْبَة عرَّافةٍ من الميثولوحيا الإِغريقية. طوالَ يومَين بقيَتْ صامتةً خلْف حزنها. تتلقَّى بنظراتها التسعينية تَوَافُدَ الناس أَمامها. منهم مَن صدَقُوا في مرورهم. منهم مَن جاؤُوا ليرَوْها أَولَ مرةٍ، ولو في هذا الوضْع المر، بَعد طول عُزلتها. ومنهم (وبين هؤُلاء معظمُ "بيت بو سياسة") مَن جاؤُوا لأَن كاميرات التلفزيون تنقُل وُفودَ المعزِّين وتصاريحَهُم، فرصةً لهم كي يُسجِّلوا حضورَهم في وداع زياد.