.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يدم الود طويلاً بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، عقب تحالفهما في حرب تيغراي. باتت الحشود العسكرية على جانبي الحدود بين إثيوبيا وإريتريا مادة دسمة لوسائل الإعلام. تنزعج أسمرة من مهادنة آبي أحمد لجبهة تحرير تيغراي بعد "اتفاقية بريتوريا للسلام"، وتظن أديس أبابا أن أفورقي يدعم مسلّحي أمهرة المعادين للحكومة الإثيوبية.
اليوم ترتفع حرارة الخلافات بشدة بعد سعي إثيوبيا للحصول على ميناء بحري، وإعادة رسم خريطتها، بما يضمن تمددها إلى البحر الأحمر، على حساب السيادة الترابية الإريترية؛ وكذلك بعد استيلاء إريتريا، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، على ثلاث سفن أسلحة من أذربيجان متجهة إلى إثيوبيا، بعد اختراقها المياه الإقليمية، ثم مصادرتها الأسلحة، في ضوء تنصّل أديس أبابا من اتفاق تعويض خسائر الجيش الإريتري، في حرب تيغراي، والتي تجاوزت الـ 160 مليون دولار، مساندة للجيش الإثيوبي.
بعد تلك الواقعة، كتب مولاتو تيشومي، الرئيس الإثيوبي السابق، في شباط/فبراير الماضي، مقالاً أثار جدلاً صاخباً في الأوساط الإريترية والإثيوبية، كال خلاله الانتقادات والتهم ضد الحكومة الإريترية، ووصفه الخبراء بأنه تمهيد لحرب مع أسمرة. وفي آذار/مارس الماضي، صرح برهانو جولا، قائد الجيش الإثيوبي، بأن بلاده تعمل على استعادة موانئها التاريخية، لتعود قوة ضاربة في البحر الأحمر، في إشارة إلى استعادة الموانئ الإريترية التي فقدتها عام 1993، بعد استقلال إريتريا عن إثيوبيا، اتساقاً مع استراتيجية آبي أحمد الذي يرى أحقية بلاده في منفذ بحري وقاعدة عسكرية لإنشاء "قوات بحرية إثيوبية"، والذي يعتبر أن حكومة ميلس زيناوي ارتكبت خطأ تاريخياً باعترافها باستقلال إريتريا، مما اعتبرته أسمرة "إعلان حرب" ومحاولة لانتهاك سيادتها.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي تسريب لآبي أحمد - لم تنفه السلطات الإثيوبية - خلال لقاء مع أعضاء الحزب الحاكم، أوضح بأن حكومته وقعت صفقات سلاح استراتيجية ستحمي البلاد من الدول التي تتربص بها والتفوق عليها، وذكر إريتريا ومصر تحديداً، وهدّد بتحويل العاصمة الإريترية أسمرة إلى "غزة جديدة"، في أيّ مواجهة.
أظهر هذا التسريب النيات الإثيوبية العدوانية تجاه إريتريا والصومال والسودان ومصر، وكشف عن تطوير أديس أبابا قدراتها العسكرية، استعداداً لخوض حروب في القرن الأفريقي أو حوض النيل، باعتبار أن الدخول في حرب خارجية يقوّي اللحمة الوطنية، ويسكن الأزمات الداخلية. هذا مسار ثابت في السياسة الإثيوبية، منذ نشوء الدولة الحديثة، أي إثارة الحروب الخارجية لتسكين الأزمات الداخلية، إذ تسعى النخب الإثيوبية الحاكمة للتوسع على حساب الشعوب المجاورة، مما يجعل أديس أبابا مصدراً للتوترات وعدم الاستقرار الإقليمي. وليس مستبعداً أن تلجأ إثيوبيا إلى إشعال حرب مع إريتريا أو الصومال، في ضوء عزمها السيطرة على موانئ تابعة لأيّ منهما. لا تبالي أديس أبابا بمخاطر انتهاك سيادة الدول المجاورة والاعتداء عليها. تريد إجبار إريتريا على التفاوض بشأن ميناء عصب، أو احتلال أراضيها، وربما تتفاوض بعد ذلك تحت يافطة المزاعم التاريخية لإثيوبيا بامتلاك الميناء، استلهاماً للدرس الإسرائيلي. هكذا تحولت علاقات أديس أبابا وأسمرة من "زواج المصلحة" إلى حرب باردة، على مشارف نزال عسكري. حذّر صادقان تنسائي، نائب رئيس حكومة إقليم تيغراي، من أن الحرب مع إريتريا "وشيكة"، لافتاً إلى أنه في حال اندلاع الحرب فسوف تمتد إلى دول أخرى، وبعدها لن تبقى جغرافية الدول كما هي، بل ستشهد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأكملها إعادة تنظيم سياسية كبرى.
في المقابل، فنّدت الحكومة الإريترية المزاعم الإثيوبية على لسان يماني قبرى مسقل، وزير الإعلام الإريتري، الذي أكد أن هناك حالة هوس بالحرب تجتاح بعض الدوائر السياسية في أديس أبابا، قائلاً: "نشهد يومياً تصاعداً في التشويه والمغالطات التاريخية والرفض الصارخ لأحكام القانون الدولي، في إطار تبرير أهداف غير قانونية كاحتلال موانئ إريترية، محذراً من الانجرار إلى الحرب، لأنها ستزعزع استقرار المنطقة كلها".
يبدو النزاع المسلح احتمالاً وارداً، لكن آخر ما تحتاج إليه أثيوبيا هو النزوع الاستعماري أو الحرب الخارجية في بلد تمزقه الانقسامات والصراعات المسلحة. يخوض آبي أحمد حرباً ضد المعارضة في أقاليم أوروميا، وأمهرة، وبني شنقول، وتيغراي المتاخم لإريتريا؛ ولو نشبت الحرب مع أسمرة فستجد الحركات المسلحة في هذه الأقاليم فرصتها لإعلان الاستقلال عن الحكومة الفيدرالية، استناداً إلى المادة 39 من الدستور التي تسمح بتقرير المصير، بالإضافة إلى أن خوض أيّ معركة مع جيرانها مرهون بموافقة حلفائها الدوليين والإقليميين، وهم الآن مشغولون بحروب أخرى.
الأفضل للجميع أن تتوقف أديس أبابا عن أطماعها بالبحر الأحمر ومياه النيل، وأن تجنب الشعوب المجاورة ويلات الحروب. جيشها مرهق، ولو انتصرت عليه إريتريا فقد يطيح ذلك بآبي أحمد، ويعيد تشكيل الدولة الإثيوبية أو حتى تفككها إلى دويلات. والمؤكد أن التعاون أجدى من إراقة الدماء!