.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
قبل أن يصل العبث عن "فتح مصر لمعبر رفح" مداه، كان تنظيم "الإخوان" أصدر بياناً دعا إلى "النفير العام"، مطالباً بفتح المعابر فوراً ورفع كل الحواجز أمام تدفق المساعدات، معتبراً أن "استمرار إغلاق المعابر اشتراك في الجريمة"، وذهب إلى اتهام الدول العربية بالتخاذل، زاعماً "أن التمادي الصهيوني لم يكن ليحدث لولا هذا الغلق المحكم للحدود".
لم يتوقف العبث عند هذا الحد، بل تبعه نشاط محموم لـ"الإخوان" في عواصم عدة للتظاهر أمام سفارات مصرية، ووضع الأصفاد على أبوابها الخارجية، وتوزيع فيديوات مفبركة استغلتها القنوات الداعمة للتنظيم وصفحات لجانه الإلكترونية، للإيحاء أن الرأي العام الدولي معاد لمصر. والمهم أن بيان "الإخوان" وصفحاتهم والقنوات التي تتبنى خطابهم، لم تذكر أن الجهة الفلسطينية من المعبر باتت تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ أيار/مايو 2024، كما تجاهلوا جميعاً، عمداً، أن مصر منذ بداية هذه المذبحة المستمرة، لم تغلق حدودها من جانبها قط، بل أنشأت مراكز لوجستية ضخمة في العريش، واستقبلت آلاف الأطنان من المساعدات، وأصرت على أن تكون عملية الخروج من القطاع مشروطة بدخول المساعدات، بمعنى أن كل شاحنة إغاثة تفتح باباً أمام أحد الجرحى، وكل عربة دواء تُمهّد الطريق لإنقاذ حياة، في معادلة إنسانية أخلاقية وذكية، تجعل الأولوية لأهل غزة لا للمجاملات السياسية أو الابتزاز الإعلامي. أما عودة تدفق المساعدات من الجانب المصري فخبر أجريت محاولات للتعتيم عليه، أو استغلاله ليستمر تنظيم "الإخوان" في استثمار معاناة الفلسطينيين لتصفية الحسابات مع مصر.
ليس سراً أن هذا التنظيم المهووس بالتزييف والمزايدة، يتعامل مع الأوضاع الكارثية في قطاع غزة لخدمة مشروعه السياسي، الذي لا يتغذى إلا على الدم والشعارات. وما يُقال عن غزة في خطاب "الإخوان" ليس دعماً، بل استثمار طويل الأمد في القضية، كورقة تفاوض مستقبلية، ووسيلة لابتزاز الأنظمة، وتسويق الذات في سوق الشعارات الرنانة.
دفعت غزة ثمناً يفوق كل خيال: أكثر من 200 ألف بين شهيد وجريح، دمار شبه كامل للبنية التحتية، مجاعة محققة، نزوح جماعي، وموت بطيء تحت الأنقاض والحصار من أجل عملية "رمزية" لم تُحرر شبراً من الأرض، لكنها حولت حياة مليوني إنسان إلى جحيم مستمر؛ جحيم لا تُطفئه شعارات المقاومة ولا خطب الصمود الأسطوري، بينما يروّج، عن وعي أو غفلة، لإعادة إنتاج نكبة 1948، وترتكب خيانة مضاعفة: خيانة لفلسطين، وأخرى لمصر، فخروج الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، حتى ولو "موقتاً"، هو بداية تهجير طويل الأمد، لأن إسرائيل لا تفوّت فرصة لإفراغ الأرض من أصحابها، ولا شيء يُفرح قادة الاحتلال أكثر من رؤية الحافلات تعبر الحدود نحو الصحراء المصرية.
أظهرت كلمة القيادي الحمساوي خليل الحية التي وجه فيها كلاماً مباشراً إلى الجيش المصري، بما يخالف كل قواعد، بل وآداب التخاطب الرسمي، أن تنظيم "الإخوان"، ومن خلفه "حماس"، لا يبحثان عن حل لغزة، إنهما يبحثان عن موطئ قدم في مشهد إقليمي تغيّر، وعن منصة للعودة إلى الضوء، وعن مبرر لاستمرار وجودهما، ولو على جثث الأبرياء. ولذلك، فإن خطابه لا يختلف، من حيث النتيجة، عن خطاب الاحتلال: كلاهما يريد من مصر أن تفتح البوابة، لكن لأسباب مختلفة. إسرائيل تريدها للتهجير، و"الإخوان" يريدونها للتهديم، وخطاب "النفير" ليس دعوة للنجدة، بل تكتيك لخلق فوضى مدروسة، ولإضعاف موقف الدولة المصرية، وتحويلها إلى مجرد أداة طوارئ لإطفاء الحرائق التي يشعلها آخرون عن قصد، ثم ينسحبون من المشهد ليبدأوا الاتهام.
مصر، إذاً، لا تواجه معضلة إنسانية وحسب، بل معادلة شيطانية؛ إن فتحت الحدود بلا قيود اتُهمت بالتواطؤ في التهجير، وإن أبقتها مضبوطة اتُهمت بالتخاذل عن نصرة الأشقاء، لكنها اختارت الطريق الأصعب: الحفاظ على وجود الفلسطينيين في أرضهم مهما كان الثمن، ومنع تحقيق الحلم الصهيوني القديم بدفع الفلسطينيين إلى الصحراء المصرية. إنها معركة وجود، لا مجرد أزمة عابرة، رغم أن الجاني معروف بالاسم والعنوان. إسرائيل تقصف، وتجوّع، وتحاصر، و"حماس" تتاجر بدماء شعبها على مذبح أوهام النصر، بينما يُطلب من مصر أن تكون المنقذ الذي يخرج الجميع من الكارثة، وكأن مفاتيح الحل بيد القاهرة، لا بيد من يملك السلاح ويحتل الأرض ويقرّر مصير القطاع.
لم تكن عملية “طوفان الأقصى” مجرد عمل عسكري خاطف، بل كانت مغامرة كارثية في التوقيت والنتائج، عملية أطلقتها "حماس" من دون تنسيق مع أحد، لا مع السلطة الفلسطينية، ولا مع الدول العربية، ولا حتى مع المنطق العسكري نفسه. لم تضع أي تصور للرد الإسرائيلي، ولم تراعِ مصير المدنيين، ولم تنتظر دعماً دولياً، بل انطلقت تحت تأثير وهم النصر وسكرات الإنجاز الدعائي، والنتيجة أن غزة دفعت الثمن وحدها، ثم جاءت الحركة، كما تفعل دوماً، لتُحمّل الآخرين المسؤولية.