.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بينما تُراهن إثيوبيا على الوقت والضغط بالأمر الواقع، تُراهن مصر على تحالفات سياسية وديبلوماسية جديدة تُعيد التوازن إلى المفاوضات، خصوصاً مع وجود قيادة أميركية بدأت تتحدث لغةً أقرب إلى الواقع.
يشهد ملف سد النهضة الإثيوبي تطوراً لافتاً خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أعلنت أديس أبابا استكمال بناء السد، في خطوة وُصفت في القاهرة بأنها تمثل تعدياً صارخاً على القانون الدولي وحقوق مصر التاريخية في مياه النيل. ويأتي هذا التطور في لحظة دقيقة، اتسمت بتجدد الاهتمام الدولي بالملف، ولا سيما بعد تصريحات حادة متكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعادت التوازن السياسي إلى ساحة لطالما طغت عليها سياسة الأمر الواقع التي انتهجتها إثيوبيا منذ بداية المشروع.
سد النهضة ليس مجرد مشروع تنموي داخلي، بل هو منشأة عملاقة بُنيت على النيل الأزرق، الرافد الأساسي لنهر النيل، وتُعد الأكبر من نوعها في أفريقيا. منذ الإعلان عنه عام 2011، تبنّت إثيوبيا خطاباً قومياً حول "الحق في التنمية"، في مقابل مخاوف مصرية متصاعدة من أن يؤثر السدّ على شريان حياتها الوحيد. فمصر، التي تعتمد بنسبة تقارب الـ97%على مياه النيل، لا تملك رفاهية التجربة أو انتظار النوايا الحسنة. أيّ خلل في تدفق المياه يعني تهديداً مباشراً للأمن المائي والغذائي، وقد يدفع بعشرات الملايين من المواطنين إلى دائرة العطش أو الهجرة أو الفقر الزراعي.
القلق المصري ليس مبالغاً فيه، بل يستند إلى وقائع واضحة؛ فقد مضت إثيوبيا قدماً في تنفيذ المشروع، وبدأت ملء الخزان من دون اتفاق ملزم، على الرغم من توقيع إعلان المبادئ الثلاثي عام 2015، الذي ألزم الدول الثلاث بعدم اتخاذ أيّ إجراءات أحادية قد تُحدث ضرراً كبيراً بالدول الأخرى. لكن هذا الالتزام ظل حبراً على ورق. وبدلاً من التفاوض بحسن نية، اختارت إثيوبيا سياسة الفعل أولاً ثم التبرير لاحقاً، مما يُقوض مبدأ "المنفعة المشتركة" الذي يُفترض أن يحكم العلاقات بين دول حوض النيل.
وفي خضم هذا التعنت الإثيوبي، جاءت تصريحات الرئيس ترامب لتعيد صياغة المشهد السياسي المحيط بالأزمة. ففي مؤتمر صحافي، وصف ترامب النيل بأنه "شريان الحياة للمصريين"، متسائلاً عن السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى تمويل مشروع بهذا الحجم من دون ضمانات تحمي حقوق مصر، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين وصف التمويل بأنه "خطأ جسيم"، وتعهّد بالعمل شخصياً على حلّ النزاع. هذه التصريحات لم تكن فقط تعبيراً عن موقف سياسي، بل مثلت تحولاً في اللهجة الأميركية، ونقلة نوعية في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة الخطر الذي تُمثله التصرفات الأحادية من جانب إثيوبيا.
الرئيس عبد الفتاح السيسي سارع إلى الترحيب بتصريحات ترامب، واعتبرها دعماً واضحاً للموقف المصري واعترافاً بأحقية القاهرة في الدفاع عن حقوقها المائية. ولم تكن هذه مجرد مجاملة ديبلوماسية، بل كانت تعبيراً عن شعور حقيقي بأن هناك أخيراً من يفهم خطورة ما يحدث. أما الجانب الإثيوبي، فقد حاول التقليل من شأن التصريحات الأميركية، مدعياً بأن تمويل المشروع تم بجهود وطنية، وهو أمر محلّ جدل واسع، ولا سيما مع المعلومات التي تؤكد وجود تمويل خارجي كبير، مباشر أو غير مباشر، في البنية التحتية للمشروع.
وبينما تستعد إثيوبيا لافتتاح السد رسمياً في أيلول/سبتمبر المقبل، تُصر القاهرة على أن ما حدث يُعد خرقاً صريحاً للقانون الدولي، خاصة المبادئ المتعلقة باستخدام الأنهار الدولية بشكل منصف ومتوازن، والامتناع عن التسبب بضرر جسيم. وقد جددت مصر دعوتها إلى التوصل لاتفاق قانوني مُلزم ينظم عملية الملء والتشغيل، ويضمن ألا يتم التحكم بنهر دولي بقرارات منفردة من طرف واحد.
القلق المصري له ما يُبرّره أيضاً من الناحية الفنية، فالسدّ لديه قدرة تخزين تصل إلى 74 مليار متر مكعب، وهو ما يُعادل تقريباً كامل التدفق السنويّ للنيل الأزرق. وفي حال حدوث سنوات جفاف متتالية، فإن التأثير على مصر قد يكون كارثياً. والأسوأ من ذلك أن غياب آلية قانونية لإدارة الأزمات بين الدول الثلاث يجعل أيّ خلل مائي محتمل مرهوناً بالقرار الأحادي الإثيوبي، من دون رقابة أو التزام.
لا تقتصر تداعيات هذا الملف على مصر وحدها، بل تشمل السودان أيضاً، الذي تقلّب موقفه بين التأييد الحذر والمعارضة الصريحة، خاصة بعد تعرض بنيته المائية لأضرار بسبب تغييرات مفاجئة في تصريف المياه. وفي ظل الاضطرابات التي يشهدها السودان حالياً، تتجه مصر إلى لعب دور أكبر في تعبئة الدعم العربي والدولي لوقف ما تعتبره تهديداً وجودياً.
الإصرار الإثيوبي على استكمال المشروع من دون اتفاق، وتبرير ذلك بالسيادة الوطنية، يتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تُلزم دول الأنهار المشتركة بعدم الإضرار بجيرانها. وبينما تُراهن إثيوبيا على الوقت والضغط بالأمر الواقع، تُراهن مصر على تحالفات سياسية وديبلوماسية جديدة تُعيد التوازن إلى المفاوضات، خصوصاً مع وجود قيادة أميركية بدأت تتحدث بلغة أقرب إلى الواقع.
لا تسعى مصر إلى وقف مشروع تنموي، بل إلى ضمان ألا يتحول هذا المشروع إلى سلاح مائي يُستخدم لليّ ذراع دولة تعتمد على النيل كمصدر شبه وحيد للحياة. ما تطلبه مصر ليس أكثر من احترام الاتفاقات، والالتزام بالقانون، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد. وإذا لم يُوضع حد للتصرفات الأحادية اليوم، فقد تُفتح شهية دول أخرى في العالم لفرض سيطرتها على أنهار مشتركة، مما يُهدد استقرار النظام الدولي برمته.
لهذا السبب، فإن أزمة سد النهضة لم تعد أزمة مصرية–إثيوبية فحسب، بل باتت اختباراً لمفهوم العدالة الدولية. إما أن تُحسم المسألة بحل تفاوضي عادل، وإما أن نكون أمام سابقة خطيرة تؤسس لحق الأقوى باحتكار الحياة. والنيل، كما وصفه ترامب، هو شريان حياة مصر، وحان الوقت لتكريس هذه الحقيقة في ميدان السياسة، لا في التصريحات فقط.