الأديان والطوائف والمذاهب والقوميات لا تبني دولاً ثابتة

كتاب النهار 20-07-2025 | 17:30
الأديان والطوائف والمذاهب والقوميات لا تبني دولاً ثابتة
 الديانة الصرفة لا علاقة لها بالحروب والفتوحات المتنوّعة، وأنها لم تكن يوماً أساساً ثابتاً للدول رغم إيمان شعوبها بها.
الأديان والطوائف والمذاهب والقوميات لا تبني دولاً ثابتة
الفاتيكان (أ ف ب).
Smaller Bigger

أثبتت أوروبا بأجمعها ودولها الكثيرة منذ تأسيسها أنها ليست أمةً واحدة ولم تكن أمةً واحدة يوماً. إذ عاشت شعوبها قبل إنتشار المسيحية منفصلةً بعضها عن بعض تجمعها روابط قبلية وروابط مناطقية، وخاضت في ما بينها حروباً لم تكن وطنية بمعناها الحديث ولا قومية بمعناها الذي لم يتغيّر منذ نشأتها، مسبّباً مباشراً لها أو هدفاً تسعى الى تحقيقه.

وأثبتت أنها يوم انتشرت الديانة المسيحية بين شعوبها وصار الفاتيكان بمعناه وشكله القديمين عاصمةً لها، ويوم خاض أقواها حروباً باسم الدين في ما صار لاحقاً العالم العربي والإسلامي، أثبتت أن هدفها لم يكن استعادة القدس مكان ولادة السيد المسيح من المسلمين الذين سيطروا عليها بعد خروج الدين الإسلامي من الجزيرة العربية في أعقاب تأسيسه.

بل كان الهدف مزدوجاً، أي استعادة بلاد نشوء المسيحية وفي الوقت نفسه السيطرة على منطقة واسعة الأرجاء وغنية بثرواتها الطبيعية وإن بمقاييسها القديمة. أما في القارة القديمة حيث انتشرت المسيحية وصارت ديانة شعوبها، فإن هذا التطور على أهميته لم يحوّلها أمةً واحدة. على العكس من ذلك جعل من كل أمةٍ فيها ترفع لواء المسيحية وتؤكد أنها ستنشرها في العالم كله القديم ولاحقاً الجديد. كان تنافسها في ذلك شديداً سواء داخل أوروبا المسيحية أو في المناطق التي رمت الى جعلها مسيحية الديانة، سواء في العالم القديم أو في العالم الجديد.

أثبت ذلك كله أن الديانة الصرفة لا علاقة لها بالحروب والفتوحات المتنوّعة، وأنها لم تكن يوماً أساساً ثابتاً للدول رغم إيمان شعوبها بها. الأدلة على ذلك كثيرة أهمها الحروب بين الدول المسيحية من أجل السيطرة على الموارد داخل أوروبا أو خارجها في العالمين القديم والجديد في آن واحد.

ويوم نشأت البروتستانتية في العالم المسيحي وانتشرت داخل دوله واجهت مقاومة شديدة من الكنيسة الأم الكاثوليكية، وخاض المنتمون إليهما حروباً شديدة القسوة والتكلفة البشرية وغير البشرية استمرت عقوداً وربما أكثر. لكن بعد الإنتهاء منها تعلّم الأوروبيون أموراً عدة منها أن الديانة هي علاقة الإنسان بربه، وأن الدول هي علاقة أي شعب في كل منها بها وخضوعه لقوانينها التي صارت مدنية. هذا ما أُطلق عليه فصل الدين عن الدولة. استمر ذلك طويلاً ولا يزال سارياً حتى الآن، رغم استخدام بعض الدول المسيحية الدين في تدخلات خارجية عسكرية وسياسية. علماً أن الهدف من ذلك هو السيطرة على الموارد ونشر النفوذ وليس أي شيء آخر. لعل الدليل الأوضح على ذلك هو أن شعوب أوروبا لم تشكّل أمةً مسيحية واحدة، وأن دولها عندما تحاربت لم ترفع لواء هذه الديانة "بكاثوليكييها وبروتستانتييها"، بل رفعت لواء القومية والمصالح. فالأمة المسيحية لم تكن يوماً موجودة وموحدة ولم تُصبح حاكمة في الدول التي اعتنقت شعوبها المسيحية. لذلك، فإن الحروب التي قامت بينها كانت أهدافها سياسية واقتصادية وتوسعية وليس نشر الكاثوليكية أو الأرثوذكسية أو البروتستانتية. لماذا هذا الكلام اليوم؟ هو للقول للعرب والمسلمين في كل أنحاء العالم ولا سيما منهم في العالم العربي أن الدين ليس سيطرة مذهب على مذاهب أخرى. وأن الدين ليس ثأرياً مثل الناس العاديين.

مواضيع ذات صلة