.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
حكاية "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) مع "الحيادية" و "الدقة" أجبرتها أخيراً على أن تستعير من الرحابنة معياراً لتقييم الآخرين! فقد خلُصت مراجعة طويلة إلى أن الـ "بى بي سي" كانت على حق حينما أوقفت عرض فيلم وثائقي بعنوان "غزة: كيف تنجو بجلدك في منطقة حرب" لأن الراوي عبد الله، 13 عاماً، هو ابن مسؤول سابق في حماس "الإرهابية". وانتقدت الهيئة لأنها "انتهكت قواعد توجيهية خاصة بالدقة" عندما لم تفصح عن علاقة عبد الله بمنظمة "إرهابية"!
تؤكد المراجعة أن هوية الراوي لم تؤثر إطلاقاً على معالجة الفيلم لموضوعه، فلماذا يجب الكشف عن أصله وفصله؟ ربما لأن ابن "الإرهابي" هو إرهابي بحسب "قاعدة" مسرحية المحطة: "المطلوب بيخلّف مطلوبين"!
بدأت الضجة بتحريض من ديفيد كولير، وهو أكاديمي أميركي يقود جماعة ضغط موالية لإسرائيل اسمها "كاميرا". وتباهى صاحب السجل الحافل باستهداف الفلسطينيين وشيطنة غزة وأهلها، بأنه استطاع في غضون ساعات فضح هذا "الانتهاك الفظيع".
ليس غريباً أن الـ"بي بي سي" هرعت الى سحب الفيلم الذي صرفت نحو 400 ألف جنيه استرليني على صناعته، خوفاً من غضب "كاميرا" وشقيقاتها. وأفادت تقارير بأنها اضطرت الى عدم بث فيلم وثائقي آخر، يوثق التصفية الممنهجة للكوادر الطبية في غزة خشية أن يهاجمه كولير. فهذا وضع "الهيئة" في مهدافه منذ سنوات. هو ورفاقه لا يقبلون الانحياز فحسب، بل يريدون الوقوف مع إسرائيل غالبة أو مغلوبة دوماً، وهذا درك لم تهبط إليه بعد، خلافاً لبعض وسائل الاعلام البريطانية.
في المقابل، لم تهبّ "الهيئة" الى استرضاء أصحاب تقارير تشرّح وجوه فشل تغطيتها أخبار غزة التزام مبدأ "الحيادية"، الذي تزعم أنها تقدسه. مثلاً، تجاهلت تقرير "مركز الرصد الإعلامي"، الذي ضمّ أدلة على بثها تغطيات "تزيد 33 مرة لأخبار موت إسرائيليين" على تغطياتها لمقتل الغزيين، مع أن عدد ضحايا غزة أكبر مما تكبدته إسرائيل بـ 34 مرة.
والسبب في هذا التمييز هو أن "حيادية الـ"بي بي سي" ميتة"، كما قالت الصحافية كاريشما باتيل التي استقالت منها احتجاجاً. واعتبرت أن حذر الهيئة البالغ تحول إلى "جُبن" يجبرها على ترجيح مصلحة "جماعات الضغط القوية، أو الحكومة أو الشركات الكبرى".
هكذا رضخت لرغبة حكومة المحافظين في 2020 ورضيت تعيين روبي غيب في مجلس إدارتها، "خفيراً" تابعاً للحزب الحاكم. وسمحت له كصهيوني معروف أن يلتحق بمجلس التحرير العام وهو لعب دوراً مهماً في التدخل بتغطيات فلسطين عموماً وغزة خصوصاً. وعلى رغم المناشدات والعريضة التي وقعها أخيراً نحو 400 من صحافييها وعدد من المشاهير الذين طالبوا حكومة العمال الحالية بإقالته، لا يزال يمارس صلاحياته كلها في الهيئة.
وبدلاً من أن تكترث ليزا ناندي، وزيرة الثقافة، بما يقوم به غيب وأمثاله لجهة الإخلال بمبدأ "الحيادية"، تحاول إرغام الهيئة على اتباع سياسة "أكثر مراعاة لليهود البريطانيين" ولإسرائيل. وقد لمّحت الى أنها ستقيل دافي بسبب الفيلم، وبث حفلة "معادية للسامية" في مهرجان غلاستنبوري شهدت إطلاق هتافات "الموت لجيش الدفاع".
تتراكم أخطاؤها، فتتعهد، على عادتها كلما ضاق الخناق حول عنقها، بعدم تكرارها من دون أن تفي بوعودها. أنصار إسرائيل لا يرضون عنها إن لم تستسلم لرغباتهم بشكل مطلق، والجمهور يبتعد عنها. فهل تستطيع الـ"بي بي سي" أن تستجمع شجاعتها وتلتزم "الحيادية" فعلاً ولا تخذل غزة، أم يبقى هذا الالتزام أشبه بحلم بعيد المنال، فيما تدفع بها الأزمات على طريق الاضمحلال؟