قتلى الكوت... وأوائل المعزين حيتان الفساد!

كتاب النهار 19-07-2025 | 06:28
قتلى الكوت... وأوائل المعزين حيتان الفساد!
كان الجو خانقاً، فجذب النّاس المول (هايبر ماركت) المفتوح قبل أسبوع فقط، بخمس طبقات. انفجر جهاز تكييف وشبّ حريق. ولأنَّ "هايبر" كان خالياً مِن وسائل السلامة، قضى نحب من قضى، والأموات يتزايدون.
قتلى الكوت... وأوائل المعزين حيتان الفساد!
كم من كارثة أسدل عليها السّتار؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما نقرأ البيتين التاليين في الفساد نقرأهما للتسلية: "مرَّ الجرادُ على زرعي فقلت له/ الزمْ طريقك لا تولعْ بإفسادِ/ فقال منهم خطيبٌ فوقَ سُنبلةٍ/ إنّا على سفرٍ لا بدّ مِن زادِ".

يقول الجاحظ (ت: 255 هـ): قالهما "أعرابي مِن بني حنيفة، وهو يمزح "(البيان والتَّبيين)؛ مع أنَّها حقيقة مفجعة، يجرد الجراد، والاسم منحوت مِن الفعل، الزَّرع المؤمل، فتكون عام رمادة ثانية (18هـ)، كان الرماد فيها يملأ الأفواه بدل الطعام والماء.

أحسبُ أنَّ الفاسدين أنفسهم يتداولون هذين البيتين للفكاهة والمزح، ولا إحساس بما يُرتقب مِن جوع كافر؛ بعد موسم الجراد الظَالم؛ لكنَّ للجراد موسماً، وينفع صيده طعاماً، أما جراد العراق اليوم الفصول كافة مواسمه، وما كارثة الكوت إلا ثمرة مِن ثماره في (2025/7/17)، وهو يوم مشهود يتذكّره العراقيون.

منذ نحو ثلاثة وعشرين عاماً، مَن يقرأ البيتين أو يسمع بهما، يتذكّر العراق، وقصص الفساد الخيالية، التي يعجز عن تأليفها أمهر القصاصين. أن تضيع ستمئة مليار دولار، ولا يعرف أيّ بنك مِن بنوك الجار الجنب حواها. كنّا نظن أن الفساد لا يؤدي إلى الموت الجماعي، غير أن للفساد العراقي خاصية، يترجم بأدوات الموت بلا تأجيل.

إنه مدرسة جديدة، اخترعتها الجماعات الدنيّة، وسُجلت البراءة باسمها؛ لا تدخل رقم المليون في حساباتها لاحتقاره، تفتح فصولها لأرقام المليارات المهولة. وبدأ تطبيق الاختراع بمقولة "مجهول المالك"، وقبله تطبيق "الذّوبان في الخميني"؛ فإذابة الأوطان من أشد الفسادات، وتشريع الخيانات. كلُّ حزب مدَّ أنبوبه إلى البحر، وباع حصته، حتَّى صار عراك على وزارة النِّفط. أوضح نموذج للفساد الطاغي: يُعرض مشروع تشييد جسرٍ، يباع إلى آخر، والآخر يبيعه إلى آخر، والنتيجة لا وجود للجسر.