نقاش في كلمة الرئيس السوري حول حوادث السويداء

كتاب النهار 17-07-2025 | 14:09
نقاش في كلمة الرئيس السوري حول حوادث السويداء
القيادة السورية الجديدة معنية اليوم، قبل غد، بتأكيد أن سوريا هي لكل السوريين، وأن دعوتها الى دولة المؤسسات والقانون، يفترض أن تقترن، أولاً، بتكريسها دولة المواطنين الأحرار والمتساوين...
نقاش في كلمة الرئيس السوري حول حوادث السويداء
يفترض بالقيادة السورية نبذ أي حل أمني في معالجة المشكلات الداخلية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لعل أهم المسائل التي ضمنها الرئيس السوري أحمد الشرع في كلمته (صباح 17/7)، أولاً، أنها شكلت إعلاناً بوقف النار، وإنهاء العمليات العسكرية في مدينة السويداء، وسحب القوات الأمنية من تلك المحافظة، ما يعني وقف الاقتتال المجاني والعبثي المدمر، الذي لا يخدم السوريين، ولا قيام الدولة السورية، وتالياً نزع هذا الفتيل الدامي والموجع.

لعل مشكلة هذا التراجع المحمود، الذي ينمّ عن نظرة واقعية، وربما عن استشعار بالورطة، أو بالفخّ، أنه أتى متأخّراً، أي بعد أثمان باهظة دفعتها مختلف الأطراف، مادياً ومعنوياً، وأنه أتى بعد التدخل الإسرائيلي، المريب طبعاً، والذي تمثل بتوجيه ضربات قوية لمراكز القيادة السورية، شملت منطقة قرب "قصر الشعب" (قصر الرئاسة) ومبنى قيادة الأركان السورية ومطار المزة، ومناطق أخرى في درعا والسويداء وجبلة.

ثانياً، أكد الرئيس في كلمته أن الطائفة الدرزية هي جزء أصيل من الشعب السوري، مثل كل المكونات الأخرى، وإن الدولة مسؤولة عنها، كشريك في الوطن والقرار، وفي السياق ذاته، فقد اعترف الرئيس بكلمته بأن ثمة انتهاكات ارتكبتها القوات الأمنية في معالجتها ملف السويداء، وإن الفاعلين ستتم محاسبتهم ومعاقبتهم؛ وهذا الأمر يثير السؤال عن مصير لجنة التحقيق المشكّلة سابقاً بشأن التقرير في الانتهاكات التي حصلت في الساحل السوري (آذار/ مارس الماضي)، الأمر الذي يضع صدقية القيادة السورية على المحك في هذين الاختبارين الملحّين والمؤلمين والقاسيين.

ثالثاً، أكد الرئيس رفض التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، والذي لا يستهدف حماية الدروز، وإنما خلق الاضطرابات في سوريا، والسعي إلى تفتيت الأرض والشعب، وإن القيادة والشعب السوريين لن يسمحا بذلك. ومن هذا المنطلق تحدث عن استحقاقين، أو خيارين، الأول يتضمن استمرار القتال، وبالتالي تهديد أمن الأهل في السويداء، وتالياً وضع سوريا والمنطقة كلها في دائرة الخطر الإسرائيلي، أو التحول نحو وقف القتال، وصون الوحدة الوطنية، عبر تمكين القيادات الدرزية، الروحية والسياسية والمدنية، من إدارة محافظة السويداء وحفظ الأمن فيها، باعتبارها جزءاً من الأرض السورية، وذلك عبر إيلاء الأمر للفصائل المحلية.

وفي كل الأحوال فإن الرئيس الشرع لم يفوت في كلمته توجيه الشكر للوساطة الأميركية والعربية والتركية التي لعبت دوراً كبيراً في كبح العربدة الإسرائيلية، والتوصل إلى حل وسط في شأن السويداء.

الآن، لعل ما حصل في السويداء، وهو الاختبار الثاني بعد حوادث الساحل المؤلمة، يؤكد أن سوريا لا تزال تعاني من فراغ سياسي كبير، وأن طريقة اتخاذ القرارات السياسية الكبرى في العهد الجديد لا تزال لم تنضج بعد، أي أنها تحتاج إلى مزيد من الفحص والدراسة والمراجعة؛ وهذه مسؤولية الدولة، أو مسؤولية القيادة الانتقالية.

أيضاً، ما ينبغي التذكير به هنا، أن سوريا تعاني من غياب الإجماعات الوطنية، وافتقاد علاقات الثقة بين السوريين، بالنظر الى التركة الثقيلة لحقبة نظام الأسد (الأب والابن) التي نجمت عن أكثر من خمسة عقود من المحو السياسي، وغياب الأحزاب السياسية، وعلاقات المشاركة. وهذه التركة تضمنت وضع السوريين في مواجهة بعضهم بعضاً، وفق سياسة "فرق تسد"، بحيث كل جماعة هوياتية تجد نفسها في مواجهة جماعة أخرى، في علاقات تشوبها الكراهية والخوف والاغتراب عن الآخر، في ظل غياب علاقات المواطنة، وغياب المجتمع المدني.

يضاف إلى ما سبق، أن سوريا اليوم هي بلد ضعيف من كل النواحي، من جهة قدراتها الاقتصادية، وبناها التحتية، ومن جهة جهاز الدولة، وحتى إن بناها التحتية دمرت تماماً من إسرائيل، بعد انهيار نظام الأسد، وفوق ذلك فثمة مشكلة في اللحمة الاجتماعية، كما قدمنا، وفي وعي السوريين لذاتهم كمواطنين، أو كشعب.

على ذلك، فإن القيادة السورية الجديدة معنية اليوم، قبل غد، بتأكيد أن سوريا هي لكل السوريين، وأن دعوتها الى دولة المؤسسات والقانون، يفترض أن تقترن، أولاً، بتكريسها دولة المواطنين الأحرار والمتساوين.

تبعاً لذلك، يفترض بتلك القيادة نبذ أي حل أمني في معالجة المشكلات الداخلية، لأن الحل الأمني يبنى على القهر والغلبة، ما يؤجج التصدعات، ويكشف البلد أمام التدخلات الخارجية المريبة والمغرضة.

هذا الوضع هو الذي يؤسس لإقامة سوريا الجديدة، كوطن لكل السوريين، وما يحصن سوريا إزاء التدخلات الخارجية، من إسرائيل ومن غيرها، إذ الدولة القوية تقوى بشعبها، والدولة السيدة، تكون كذلك عندما تكون فيها السيادة للشعب.