.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تدلي إسرائيل بدلوها في مسألة السويداء. واصلت قصف القوات التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية السوريتين على رغم ما كشفه الإعلام الأميركي عن طلب إدارة الرئيس دونالد ترامب وقف تلك الهجمات. والأرجح أن ديناميات إسرائيلية ذاتية تفرض على حكومة بنيامين نتنياهو أن يكون لها موقف ناري في شأن باتت تعتبره من شؤونها الداخلية.
تتطوّع إسرائيل لعرض خدماتها لحماية الأقليات في المنطقة وفي سوريا حديثاً. كان لافتاً أن يتبرّع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، وفي كلمة ألقاها بمناسبة تسلّمه منصبه في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ومن خارج أي سياق في حينه، بالدعوة إلى تعزير التحالف مع الأكراد والدروز في سوريا. كان ذلك قبل أن نسمع عن تحرّك "أبو محمد الجولاني" وقبل شهر من دخوله دمشق معلناً إسقاط نظامها السابق.
في 30 نيسان / أبريل الماضي، وعلى خلفية اندلاع مواجهات في جرمانا وصحنايا ومناطق أخرى، أصدر نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بياناً أعلنا فيه أن الجيش الإسرائيلي "نفذ عملية تحذيرية (…) هدفها توجيه رسالة جدية أيضاً للحكم السوري، مفادها أن إسرائيل تتوقع منه التحرك لمنع إلحاق الأذى بالدروز". وشدد البيان على أن "إسرائيل ملتزمة حيال الطائفة الدرزية وحمايتها في سوريا".
في اليوم نفسه قال كاتس: "نحن نُكرِّم اليوم مساهمات الطائفة الدرزية العظيمة في أمن إسرائيل، ونخلد ذكرى شهدائها الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن الدولة. وهذا يزيد من التزامنا حماية الدروز في إسرائيل وإخوانهم في سوريا". في اليوم نفسه أيضاً، أكد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أن العلاقة بين دولة اسرائيل والطائفة الدرزية هي علاقة عابرة للحدود، مشيراً إلى أن إسرائيل "لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة للمساس بالطائفة".
تؤكد إسرائيل، وخصوصاً بعد "طوفان الأقصى" على وظائفها العابرة للحدود. تصغي حكومة إسرائيل، رغم "تمنيات" البيت الأبيض بوقف الهجمات في سوريا، لضغوط اللوبي الدرزي في إسرائيل. كان الشيخ موفق طريف الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل قد قاد حملة منذ أشهر تدعو إسرائيل الى التدخل لحماية دروز سوريا. وتأخذ إسرائيل مطالب الطائفة ومواقفها بجدّية بالنظر إلى ما توفّره من انخراط داخل الجيش الإسرائيلي. ولطالما تحرّك وليد جنبلاط في لبنان والمنطقة لثني دروز إسرائيل عن التطوّع في ذلك الجيش.
لكن المسألة في إسرائيل لا تتعلّق فقط بضغوط الطائفة التي هي بالمناسبة عذر وليست سبباً للتدخل العسكري. تبني إسرائيل موقفها بناء على رؤيتها ووظيفتها وخطابها المدافع عن أقليات المنطقة، لكنها أيضاً ترسم دورها وشكل مكانتها المقبلة داخل مستقبل سوريا وما يُرسم لسوريا. فإذا كانت واشنطن ومبعوثها توم برّاك يوفّران الدعم الذي يبدو "غير مشروط" لنظام الرئيس أحمد الشرع، فإن لإسرائيل حصة في ما يُرسم في واشنطن ودمشق.
والحال أن الغارات التي شنّتها إسرائيل "حتى الآن"، ورغم نتائجها المميتة في صفوف القوات الحكومية السورية، لم تأخذ منعطفاً رادعاً شاملاً لردّ خطط حكومة دمشق عن السويداء. بدا أن هناك تعايشاً بين الأعمال العسكرية البرية التي تخوضها القوات السورية وتلك التي تنفذها إسرائيل من سماء المحافظة جنوب سوريا. وبدا أيضاً أن هناك تماساً تقبله واشنطن بين أجندة إسرائيل الداخلية والسورية من جهة والسقف الذي تضعه الولايات المتحدة للحراك الإسرائيلي من جهة أخرى.
تسعى إسرائيل الى تقطيع هذه المرحلة على نحو يستجيب لدروزها ويلاقي خطابها ويلبي أجنداتها ولا يشكل قطيعة مع نظام دمشق. وجب الأخذ في الاعتبار أن دعوات راجت داخل إسرائيل قبل أشهر دانت المواقف العدائية العسكرية التي اتخذتها حكومة نتنياهو ضد نظام الشرع، محذّرة من تحوّل سوريا إلى جبهة عداء واسع. ووجب التنبه إلى أن عواصم في المنطقة والعالم ترعى مفاوضات جارية بين دمشق وتل أبيب، قيل إن باكو عاصمة أذربيجان شهدت جانباً منها على هامش زيارة الرئيس السوري الأخيرة إلى هناك. تأخذ إسرائيل في الحسبان مستقبل علاقاتها مع سوريا ما يفرض حسابات دقيقة تتجاوز خطابها الشعبوي الحنون الساهر على أمن الإقليات.