.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
سعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى ترميم صورة المعادلة السياسية الحاكمة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيما ما بعد الإشارات غير المطمئنة بإدراج العراق ضمن المذكرة الرئاسية التي لم تفصل بين بغداد وطهران بالبدء بالعقوبات القصوى، وكذلك الاشتراطات بتفكيك سلاح الفصائل الداعمة لحكومة السوداني ضمن الإطار التنسيقي والتي ترفض الاستجابة لها، مع عدم القدرة على تحقيق اختراق للبدء بمستوى جديد للعلاقة بين السوداني وترامب، رغم الزيارة التي قام بها وزير الخارجية فؤاد حسين إلى واشنطن والتي يبدو أنها لم تحقق هدفها غير المعلن بل حتى المعلن.
ليس بالأمر الطبيعي تناسي ترامب للعراق في سياسته الخارجية بعد ستة أشهر من عودته للبيت الأبيض؛ فبغداد التي تعوّل دائماً على اتفاقية الإطار الاستراتيجي وتضع نفسها "حين الحاجة" تحت مظلتها الديبلوماسية والقانونية، يبدو أنها بدأت تدرك أن الحسابات في طريقها للتغير، بعد عملية مراجعة وتقييم من قبل ترامب وطاقمه لمفهوم الدول الحليفة والصديقة، فلم يعد ينظر من البيت الأبيض لحكومة السوداني على أنها قادرة على مواكبة منهج الترامبية الجديدة، خصوصاً وأنها أظهرت عدم قناعة بضرورة الانصهار بالشرق الأوسط الجديد الذي تحاول الولايات المتحدة تحقيقه عبر القوة أو القبول به دون ممانعة، ورفضها تعديل مستوى العلاقة مع إيران.
استدار ترامب إلى العراق وخالف التوقعات في بغداد، حين تواصل مع السوداني عبر رسالة تمثل قراراً بفرض رسوم جمركية على البضائع العراقية المصدرة للولايات المتحدة بنسبة 30%، اعتباراً من آب / أغسطس المقبل، فيما رهن استمرارها بالعلاقة التجارية بين البلدين وأيضاً "وفق شروط أكثر توازناً"، مؤكداً بأن العلاقة بين البلدين "للأسف لم تكن متبادلة أو عادلة"، وأن هذه الرسوم "ضرورية لتصحيح سنوات من السياسات التي أدت إلى عجز تجاري غير مستدام مع الولايات المتحدة”، مذكراً بأن “هذا العجز يُشكّل تهديداً خطيراً على الاقتصاد والأمن القومي”، ومحذراً في الرسالة ذاتها من أي خطوة بالمثل يمكن أن تتخذها حكومة السوداني، التي آثرت الصمت على هذا الإجراء، رغم تصاعد أصوات التجار الذين أعربوا عن قلقهم من تأثير الرسوم الأميركية على الصادرات ويخشون ارتفاع أسعار البضائع في الأسواق المحلية، الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على عامة الشعب.
لا يمكن النظر لهذه التعريفة الجمركية إلا من خلال سياقين، الأول يتمثل بفرض متصاعد للعقوبات الاقتصادية على الحكومة العراقية، بعد شمول النظام المصرفي وشركات بطاقات الدفع الإلكتروني وعدد من الشركات التجارية المتورطة بتهريب النفط الايراني من خلال المنصات العراقية، وكذلك تأتي في إطار محاولات أميركية لإزاحة الشركات الروسية والصينية في مجال الطاقة أو القطاعات الأخرى من الاستحواذ على الاقتصاد بشكل كامل ولفتح السوق العراقية أمام الشركات والمنتجات الأميركية، وهذا ما أشار إليه ترامب في نص الرسالة بقوله "وإذا رغبتم في فتح أسواقكم التجارية، التي كانت مغلقة حتى الآن أمام الولايات المتحدة"، ما سيكون له تأثير مركب على الاقتصاد الداخلي والخارجي. السياق الثاني هو في إطار سياسي ويتمثل في أن ترامب بات ينظر إلى المعادلة السياسية في بغداد بأنها ليست حليفة أو حتى صديقة لواشنطن، وبأنه يعيد التموضع لإعادة رسم العلاقة الديبلوماسية مع حكومة السوداني أو حتى الحكومة المقبلة والنظام السياسي في ضوء التماهي مع الاشتراطات الأميركية، كذلك فهي رسالة تحذير رسمية، قد تكون الأخيرة، بأن على الحكومة أن لا تطيل البقاء في المنطقة الرمادية وأن على العراق أن يحدد بوصلته في علاقاته الخارجية، ما قد يدفع البيت الأبيض إلى فرض مزيد من العقوبات التي قد تطال شخصيات وكيانات مسلحة ومؤسسات الدولة في الآتي من الأيام.