.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ثمة وقف إطلاق نار في غزة. يبدو هذا ممكناً رغم ما يحيط المفاوضات من عبث درامي على نحو صار مألوفا ومتوقعاً.
ثمة هدنة مجتزأة سيوافق عليها نتنياهو في وقت ما، ولكنه لن يوقف الحرب، ليس الآن والجبهات مفتوحة في لبنان واليمن وإيران.
يتشبث بنيامين نتنياهو، بالمعنى البصري واللغوي، بـ"حرب غزة". تبدو الحرب هناك ضرورية لكل شيء يفكر به ويفعله، مثل بنية تحتية لنتائج ستحدث، ليس من أجل الوصول إلى "النصر المطلق"، "النصر" الغامض المتلون الذي لا يحدث، أو تغيير وجه الشرق الأوسط كما يردد بلا توقف، ولكن لتحويلها، الحرب، إلى حاجز من الجثث والركام أمام "اليوم التالي".
يكاد يكون الوحيد الذي لا يريد أن يصل إلى "اليوم التالي"، لذلك يواصل إرهاق الإقليم ودفعه نحو اليأس. "اليأس" هو خطة نتنياهو لشعوب المنطقة؛ تعويم الحلول وإغراق كل شيء فيها عبر اجتياحات دموية قاسية وجبهات مواربة واستعراضات بالنار، هدفها الأساس كيّ وعي الإقليم واستعادة الردع الإسرائيلي الذي تشقق في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وتجاوز تلك الاستعادة إلى فرض الهيمنة المطلقة على المحيط.
يتصرف كمنتصر ويفاوض بناء على ذلك، بغض النظر عن مفهوم الانتصار والهزيمة، بينما يقود عملية محو شاقة لصورة الجيش المرهق الذي لا ينتصر تماماً، الجيش الذي يعاني من نقص الجنود والذخائر ورفض الخدمة.
الانتصار ضروري لإسرائيل، حتى لو لم يحدث، لتغطية صورة الدولة وانعزالها في المنطقة. المساحة الصغيرة والخاصرة الضيقة التي لا تناسب فكرة الإمبراطورية، والتي غطتها بفائض القوة وسلاح الجو والاغتيالات.
الخلل الديمغرافي الذي أخفته، ليتلاءم مع حلم الهيمنة، بمنظومة متكاملة من القوانين العنصرية التي تغطي كل شيء من هوية الدولة إلى أحقية السير على الطرق السريعة. الذعر الوجودي الذي غطته بأسفار العهد القديم ونبوءاته.
تحاول إسرائيل في طورها الفاشي بقيادة نتنياهو العودة إلى صبيحة اليوم السادس من حرب الأيام الستة. إلى اليوم الأكثر مثالية في تاريخها، في كل حروبها التي خاضتها. بعد تلك الحرب كانت تحاول أن تستعيد تلك الصبيحة، عندما استيقظ الإقليم على هزيمة دول الطوق الثلاث وانهيار جيوشها، واحتلال هضبة الجولان وبقية فلسطين التاريخية ووصول الدبابات إلى شاطئ قناة السويس. عندما تحول الجيش الإسرائيلي إلى أسطورة. الجيش الذي حسم حرباً مع أربعة جيوش عربية، قبل أن تصل وحدات الاحتياط إلى خطوط الجبهات، حيث أضيفت إليه شهادات وأوسمة أخلاقية لتتناسب مع اكتمال الأسطورة.
ذلك بالضبط هو مفهوم نتنياهو ومحيطه عن "النصر المطلق"، وهو أمر لا يبدو أنه سيحدث، لذلك عليه أن يتحدث عن الإنجازات المتحققة في الطريق إليه.
"الحرب على غزة" هي منصة الحروب التي أطلقها وسيطلقها نحو المنطقة لاستعادة تلك اللحظة. حروب لم تتوقف تماماً. تجلس على العتبات، عتبة لبنان ضمن اتفاق اتضح أنه من جانب واحد، وعتبة إيران ضمن اتفاق شفهي غير مكتوب، وعتبة سوريا المستباحة تماماً وحرب ضم الضفة الغربية التي لم تتوقف. حروب مفتوحة بلا نهاية.
يجلس نتنياهو محاطاً بأنواع "اتفاقيات وقف إطلاق النار"، بينما الحروب تقعي متحفزة للانطلاق تحت قدميه مثل قطيع كلاب متوحشة.
المساحة التي تمتد بين "وقف إطلاق النار" و "ونهاية الحرب"، هي دائرة الضبع التي اختارها للتفاوض، من هناك يدير مناوراته دون أن يخسر أي من الخيارات. من هناك يرسل المسيرات لقصف الضاحية الجنوبية في بيروت ومطاردة الدراجات على طرق القرى في الجنوب. من هناك يرسل فرق الإنزال لضواحي دمشق ودبابات الميركافا لتفتيش القرى السورية في درعا والقنيطرة. من هناك أيضاً يقود معارضيه داخل الائتلاف ويستثمر تطرفهم ونزعة الانتقام التي تستولي عليهم. ومن هناك يعبث بالمعارضة بقيادة "لابيد"، يراقب كيف تتفكك وتتساقط خلفه. يتقدم دائماً بخطوة، تهتف المعارضة للطائرات الذاهبة لقصف طهران، وتصمت صمت العاجز الراضي للمسيرات التي تقصف الضاحية الجنوبية في بيروت، وتتعثر خلف حملة "زامير" على خانيونس، فيما هو يواصل استحضار زمن التوراة وإطلاقه على حملاته: "الأسد الصاعد" مركبات جدعون" "حرب القيامة" "السيوف الحديدية" السور الحديدي"...
ولكنه يعود في كل مرة إلى غزة، الى المنصة، كمن يعود إلى منجمه الخاص حيث لا تنتهي الحرب ولا يصل "اليوم التالي".