.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لأننا نعيش في أشد عصور البشرية انحطاطاً وانعداماً في الواقعية، يبدو أن كلمتي "فتاة" و"امرأة" ومشتقاتهما في طور الانقراض.
سأضرب لكم مثالاً من اللغة الإنكليزية، وهي الوحيدة التي أجيدها بعد العربية. لقد بدأت بالفعل الاستعاضة عن عبارة "النساء الحوامل" بـ"الأشخاص الحوامل"، وبدلاً من "النساء الحائضات"، يُقال "الأشخاص الذين يحيضون"!، وهما جملتان كفيلتان احتراق الجزء من الدماغ الخاص بالمنطق. وبالمثل، لم تعد الإشارة إلى الرحم أو المبايض -مثلاً- تكفي ليفهم المتلقي أن السياق يدور حول جسد المرأة وصحتها، فبتنا نسمع بـ"الأشخاص المصابين بسرطان الرحم"، و"الأشخاص المصابين بتكيسات المبايض".
والتبرير التافه لهذا التحوّل غير المسبوق في اللغة هو أن بعض من يحبلن ويحضن ويمتلكن أرحاماً لم يعدن يُعرّفن عن أنفسهن كنساء، فقد يكن -مثلاً- "غير ثنائيات الجنس"، أي لا يعتبرن أنفسهن إناثاً ولا حتى ذكوراً، ولا يؤمن بأن لهن جندراً محدداً أصلاً. ولله في خلقه شؤون.
ولأننا -مجدداً- نعيش في أشد عصور البشرية انحطاطاً وانعداماً في الواقعية، يرى المتعصبون لإيديولوجية الجندر أن اللغات "متحيزة"، ويجب أن "تتطور"، وتغدو "أكثر شمولية"، لتسع كل من لم يعدن يعرّفن عن أنفسهن كنساء، حتى ولو أصبحن يعرّفن عن أنفسهن كشوالات بطاطا!
نعم، على المليارات الثمانية من البشر أن يتحدوا العقل، وأن يلووا أعناق العبارات والمصطلحات، وأن ينتزعوا كلمة "المرأة" من لغاتهم ومقايضتها بكلمات لا تدل على الجندر، فقط ليتكيفوا مع، ولا يجرحوا المشاعر المرهفة، لأقلية تقتصر على 1% من الكوكب. وإما أن تقر بوجود "الأشخاص الحوامل"، وهو مفهوم لم يتداوله الإنسان منذ تكلّم قبل 100 ألف سنة إذ لم يعرف سوى "النساء الحوامل"، وإما أن تكون "كارهاً ومتطرفاً".
الحمد لله أن لغة الضاد عصية على هذا العته الجندري. ولكن كم يشرفني أن إحدى أبرز المنافحات اليوم ضد طمس المرأة من اللغات ومحوها واستبدالها هي امرأة عربية.
إنها الأردنية ريم السالم، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، والتي تقف منذ سنوات على ثغر عظيم من ثغور حماية حاضر المرأة ومستقبلها، وتتحمل بشجاعة في سبيل ذلك ما تتحمل من هجوم غربي شرس، واتهامات بالعداء والتمييز.
ما انفك يرن في ذهني أخيراً خطاب السالم المزلزل خلال الدورة الـ59 من مجلس حقوق الإنسان، والذي -يا للأسف- لم ينل نصيبه من الإشادة العربية والتأييد والاحتفاء. صدحت "النشمية" الأبية يومها بالحق -كعادتها- قائلة، "إن محو النساء، واللغة الخاصة بالنساء... ليس خاطئاً فحسب، بل مهين، ورجعي، ويعد أحد أبشع أنواع العنف الممارس ضد النساء والفتيات".
قد يكون العالم منحطاً ومنعدم الواقعية حالياً، فهو يخفي كل ما يمت للمرأة بصلة في اللغة ويشوهه، ولكني متيقنة من أنه سيستعيد عافيته بوجود السالم ومثيلاتها من الجنديات المجهولات، فتحية إكبار وتقدير لهن.